بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٠ - صياغة وجوب المقدمة و معنى الموصل المعروض للوجوب الغيري
و أمّا المنافاة الثانية: التي تكون بملاك التعارض بين الحرمة و الوجوب الغيري للمقدمة، على القول به.
فإن بنينا على أنّ الوجوب الغيري يختص بالموصلة، فلا إشكال في أن الوجوب الغيري يطرد الحرمة عن متعلّقه الذي هو الحصة الموصلة، دون أن يكون هناك تعارض بين الجعلين: بين حرمة الحصة الموصلة من المقدمة و وجوبها، و إنّما يكون من التزاحم بين المجعولين.
و أمّا إذا بنينا على أنّ الوجوب الغيري يتعلّق بالجامع بين الموصلة و غيرها، فهذه الدعوى، تارة تكون، بدعوى أنّ المقتضي قائم بالجامع، و لا مقتض للتخصيص بالموصلة، كما هو في البرهان السادس، و تارة أخرى، تكون بدعوى أن اختصاص الوجوب بالموصل فقط محال بنفسه، للدور و التسلسل.
فإن ادّعي الأول: فلا بدّ من الالتزام بأنّ الوجوب يتعلق بخصوص الموصلة، و يبقى غير الموصل على الحرمة، كما هو الحال فيما لو اتصف بعض أفراد الموصل بالحرمة، فإن الوجوب يرتفع عنه.
و إن ادّعي الثاني: أي استحالة تخصيص الوجوب الغيري بالموصلة، حينئذ يقع التعارض بين دليل حرمة هذه المقدمة، و لو الحصة غير الموصلة منه، و بين دليل الوجوب الغيري، لأنّ الوجوب الغيري إن تعلّق بالمطلق، فهو ينافي حرمة غير الموصلة، و إن تعلّق بالموصلة فقط، فقد فرض أن ذلك محال عند القائل. إذن فتحصل المعارضة بين حرمة المقدمة، و وجوب ذي المقدمة، باعتبار أنّ وجوب ذي المقدمة لا يلائم حرمة المقدمة، و لو بحصتها غير الموصلة لاستحالة اجتماعهما، فلو فرض تقديم دليل الوجوب الغيري على دليل الحرمة، فلا بدّ من الالتزام بسقوط الحرمة رأسا عن مطلق المقدمة حتى غير الموصلة، بحيث أن المكلّف لو إجتاز الأرض، و لم ينقذ، يعاقب بعقاب واحد.