بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٧٥ - الجهة الأولى في تعريف الواجب النفسي و الغيري
و الميزان في معاقبة المولى على الترك، و عدم معاقبته على تركه بما هو هو، ميزان ذلك، أنّ المولى إذا جعل المطلب على عهدتنا مستقلا، فالعقل يحكم بأنّ الإخلال به موجب للعقاب، لأن عهدة المكلّف انشغلت بإشغال المولى لها فأصبحت مدينة بهذا الشيء للمولى.
فإذا لم يأت المكلف بما اشتغلت به عهدته و ذمّته، يكون مقصرا و معاقبا، و أمّا إذا لم يجعل الشيء في العهدة إلّا تبعا لشيء آخر، و إنما المجعول في العهدة هو ذاك الشيء الآخر، إذن فلا عقاب، و إنما العقاب على ذاك الشيء الآخر، باعتبار أن إشغال العهدة و المدينيّة إنما هي باعتبار ذاك الشيء الآخر، لا بلحاظ هذا.
إذن فما هو مورد للعقاب حقيقة و المسمّى بالواجب النفسي، هو ما كان مستقلا في الإدخال بالعهدة، و ما هو ليس موردا للعقاب بما هو هو و المسمّى بالواجب الغيري، هو ما كان غير مستقل في الإدخال في العهدة، بل كان ثابتا لشيء آخر، و ذاك الآخر هو الداخل في العهدة.
إذن فالتبعية و الأصالة لا تلحظان في الواجب النفسي و الغيري بلحاظ عالم الملاك، و عالم الحب، و عالم الشوق، بل بلحاظ عالم اشتغال الذمة.
و بناء على ذلك يقال في المقام: بأن الصلاة بحسب عالم الملاك و الشوق، و إن كانت ثابتة للفائدة المترتبة عليها، و هي القرب من اللّه تعالى، و لكن في مقام اشتغال العهدة أدخل المولى الصلاة في ذمتنا مستقلا، لا أنه أشغل عهدتنا بتلك الفائدة لكي تكون الصلاة تبعا لتلك الفائدة، و حينئذ حيث أنه أعمل مولويته مستقلا بالنسبة إلى الصلاة، فسوف تقع الصلاة موضوعا لوجوب الحركة عقلا، و لاستحقاق العقاب على تقدير عدمها، و هذا هو الواجب النفسي.
و هنا يسأل، بأنه: لما ذا أعمل المولى مولويته لإشغال عهدتنا بالصلاة ابتداء، و لم يشغل عهدتنا بتلك الفائدة المترتبة على الصلاة؟.