بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٧٤ - الجهة الأولى في تعريف الواجب النفسي و الغيري
و بهذا يلزم أن تكون كل الواجبات التي نسميها نفسية، و نرتب عليها أثار الواجب النفسي، أن تكون غيرية، اللّهمّ إلا ذلك الواجب النفسي الذي تكون مصلحته ذاتية له، بحيث يكون ذاته هو بعينه المصلحة، لا أن المصلحة شيء مترتب عليه من قبيل «المعرفة باللّه تعالى» فإنها مضافا إلى ترتب أعظم المصالح عليها، فإنها هي بذاتها أعظم مصلحة يمكن افتراضها للإنسان، لأنه بها كمال الإنسان، فهذه المعرفة تكون واجبا نفسيا لأنّ مصلحتها ذات الواجب و عين الواجب، بينما تكون الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و نحو ذلك، واجبات غيرية.
و الجواب عن هذا الإشكال، هو: إنّ مناط الواجب النفسي و الواجب الغيري، لو كان هو عالم الملاك، أو عالم الشوق و الإرادة، بمعنى أن الواجب النفسي ما كان ملاكه لا لملاك آخر، و شوقه لا لشوق آخر، و الواجب الغيري ما كان ملاكه لملاك آخر، أو ما كان شوقه لشوق آخر، لو كان هكذا، إذن لتمّ هذا الإشكال، لأن ملاك الصلاة إنما هو لملاك آخر، و الشوق إلى الصلاة، إنما هو بالشوق للفوائد المترتبة على الصلاة من حيث التصاعد في مراتب القرب من اللّه تعالى، فتكون الصلاة واجبا غيريا بلحاظ عالم الملاك، و بلحاظ عالم الشوق و الإرادة، و يكون الإشكال لازما.
و لكن الغيريّة و النفسيّة لا تضافان، بحسب الحقيقة، بلحاظ عالم الملاك و لا بلحاظ عالم الشوق و الإرادة، بل بلحاظ عالم تحميل المسئولية و الإلقاء في العهدة، فإنّ المولى بعد أن يحرز الملاك و يشتاق، يحمّل مسئولية القضيّة على العبد، و يجعلها في عهدته.
و هذه المسئولية، و هذا التحميل، و إدخال العمل بالعهدة من قبل المولى بلحاظ هذه المرتبة، يقاس و يلاحظ الواجب النفسي و الواجب الغيري، لأنّ الواجب النفسي نقصد به ذاك الواجب الذي يعاقب على تركه، و الواجب الغيري هو ذاك الذي لا يعاقب على تركه بما هو هو، هذا هو حاق المطلب.