بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٧١ - ٣- التنبيه الثالث
و المفروض هنا أن المقيّد المنفصل لم يصل لا هنا و لا هناك، إلّا بعلم إجمالي نسبته إلى كلا الطرفين على حد سواء.
إذن فلا يتعيّن أحدهما للسقوط و الآخر للثبوت، بل في كل منهما مقتضي الثبوت، و إنما المانع عن ثبوتهما معا هو العلم الإجمالي.
التقريب الثالث: هو أن تقديم أقوى الدليلين على أضعف الدليلين، إنما هو باعتبار كون أقوى الدليلين قرينة على المراد من أضعف الدليلين، فالخاص قرينة على العام، و المقيّد قرينة على المطلق، و القرينة مرجعها عرفا إلى كون اللفظ متعرضا بمدلوله لما يكون صالحا لتفسير مدلول الدليل الآخر.
فإنه بذلك حينئذ يقال: إنّ الخاص قرينة على العام، لأنّ الخاص بمدلوله ينفي العموم، و نفيه للعموم قرينة على أنّ المراد بالعام ليس العموم، بل هو الخصوص.
و أمّا إذا فرضنا أن كلا منهما ليس لمدلوله تعرّض إلى مدلول الآخر، غاية الأمر، علم من الخارج صدفة، أن أحد المدلولين غير مطابق للواقع، إذن فلا يبقى مجال لأن يكون أحدهما قرينة على الآخر، فقوله: «لا يضر الصائم ما صنع»، لا يكون قرينة على أن المراد من قوله: «الحائض لا تقضي صلاتها»، غير صلاة الآيات، إذ لا معنى لهذه القرينيّة، نعم لو ورد «أن الحائض تقضي صلاة الآيات»، فهذا يصير قرينة، لأنه بمدلوله يتعرض لنفي مدلول ذاك، فالقرينيّة دائما فرع أن يكون أحد الدليلين يتعرض بمدلوله لنفي مدلول الدليل الآخر، و هذا غير موجود في موارد التعارض بالعرض.
و لعلّ هذا التقريب، و إن كان هو أحسن هذه التقريبات، و لكنه غير تام.
و توضيحه هو: إنّه إن أريد بهذا البيان، أنّ القرينيّة فرع أن يكون أحد الدليلين متعرضا بمدلوله لحال مدلول الدليل الآخر بالدلالة المطابقية فقط، بحيث لا تكفي الدلالة الالتزامية العرفية، فهذا أول الكلام، فإنّ القرينيّة كما