بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٧٠ - ٣- التنبيه الثالث
منفصلا، فإن المقيّد المنفصل يهدم أصل الظهور، و المقيّد المتصل يهدم حجيّة الظهور دون أصله.
و في المقام نعلم إجمالا أن أحد الإطلاقين بعينه المعيّن عند اللّه تعالى، المجهول عندنا، قد ورد عليه مقيّد منفصل، و بهذا تسقط حجيّته يقينا، و الإطلاق الآخر لم يطرأ عليه مقيّد منفصل، فتبقى حجيته. إذن فنحن بين إطلاقين: أحدهما المعيّن عند اللّه ساقط عن الحجية، و الآخر المعيّن كذلك باق على حجيته. فالمقام إذن من موارد تمييز الحجة عن اللّاحجة، و في مثل ذلك لا تجري قواعد الجمع العرفي، و إنما يجري تقديم أقوى الحجّتين على أضعفهما، فيما إذا لم يكن أحدهما ساقطا عن الحجية جزما، و الآخر باق على الحجية جزما، و أمّا حيث حجية أحدهما ساقطة جزما، و الآخر حجيته باقية جزما فلا، بل هو من باب تمييز الحجة عن اللّاحجة، لا تقديم أضعفهما.
و هذا التقريب لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأن حجية الإطلاق ليست مشروطة بعدم وجود مقيّد في علم اللّه تعالى، بل بعدم وجود مقيّد بحسب فهمنا.
و بعبارة أخرى: هي مشروطة بعدم العلم بالمقيّد المنفصل، لا بعدم واقع المقيّد المنفصل.
و في المقام لا يوجد علم تفصيلي بمقيّد أيّ واحد من الإطلاقين، لا إطلاق الهيئة، و لا إطلاق المادة، و إنما هناك علم إجمالي، و نسبة هذا العلم الإجمالي إلى كلا الطرفين على حد سواء، فلا يتعيّن أحدهما للسقوط دون الآخر حتى يقال: إنّ هذا من موارد تمييز الحجة عن اللّاحجة.
فدعوى أنّ هذا من موارد تمييز الحجة عن اللّاحجة، مبنيّة على تخيّل أن حجية الإطلاق مشروطة بعدم واقع المقيّد المنفصل في علم اللّه تعالى، و عليه يكون أحد الإطلاقين ساقطا عن الحجّية واقعا، و الآخر حجيته باقية.
مع أنه لا موجب لذلك، لأن حجيّة كل إطلاق و ظهور، مشروطة بعدم وصول المقيّد المنفصل، و ليس بعدم واقع المقيّد المنفصل.