النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٨٨ - المسألة ١٥٣
ثالثها و رابعها: «لم، و لمّا» ، الجازمتان [١] .
و يشتركان فى أمور، منها: أن كلاّ منهما حرف نفى. مختص بجزم مضارع واحد، و بنفى معناه، و بقلب زمنه من الحال و الاستقبال إلى الزمن الماضى [٢] و قد تدخل همزة الاستفهام-و لا سيما التقريرىّ [٣] -على هذا الحرف، فلا تغير عمله.
و من الأمثلة قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ، `اَللََّهُ اَلصَّمَدُ، `لَمْ يَلِدْ، وَ لَمْ يُولَدْ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) ، و قوله تعالى: (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟) ، و قوله تعالى: (أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىََ؟... )
و مثل: حضر الرحّالة و لمّا تحضر رفاقه، و أقبل الناس على تهنئته، و لما يسمعوا منه وصف رحلته. و مثل: أيها الفتى، ألمّا تترك عبث الغلمان و قد كبرت؟ألمّا تقبل على عملك و الوطن ينتظر منك الجد و الإخلاص؟
لما سبق يقول عنهما المعربون: إنهما حرف نفى، و جزم، و قلب، و إن المضارع بعدهما مضارع فى لفظه و فى إعرابه، لكنه ماض فى زمن معناه، سواء أكان مضيه متصلا بالحال أم غير متصل.
و تنفرد كل أداة منهما بأمور؛ فمما تنفرد به «لم» :
[١] لا تكون «لم» فى جميع استعمالاتها إلا نافية جازمة، بخلاف «لما» -كما سنذكر- فلها استعمالات متعددة؛ منها: الجزم، و منها: أن تكون ظرفا بمعنى وقت أو حين، (و قد سبق الكلام عليها فى «باب الظرف» (جـ ٢ م ٧٩ ص ٢٣٥) و منها أن: تكون حرفا بمعنى «إلا» الاستثنائية. و قد أوضحناها فى باب الاستثناء (جـ ٢ م ٨١) .
[٢] فيكون الفعل مضارعا فى صورته و فى إعرابه، و لكن زمنه ماض. إلا إن كانت «لم» مسبوقة بأداة شرط للمستقبل المحض كما فى الصفحة الآتية.
[٣] و هو: حمل المخاطب على الإقرار (أى: على الاعتراف) بالحكم الذى يعرفه فيما جرى بشأنه الاستفهام. و قد يكون إقراره إثباتا؛ كما فى قوله تعالى: (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) أو نفيا، كقوله تعالى يخاطب عيسى: (أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ.. ) فليس المراد حمله فى كل الأحوال على الإقرار و الموافقة على ما جاء منفيا بعد الهمزة؛ و إنما المراد حمله على الإقرار بإثبات ما بعدها حين يقتضى المعنى الإثبات، و نفيه حينا آخر تبعا للمعنى أيضا. و قد يكون المراد من الاستفهام هنا: إظهار الاستبطاء، و الحث على الإسراع: كقوله تعالى: (أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللََّهِ) أو التوبيخ؛ نحو قوله تعالى يخاطب الكفار يوم القيامة: (أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ... ؟) و قد سبقت الإشارة المفيدة للاستفهام التقريرى فى نواصب المضارع عند الكلام على فاء السببية فى رقم ٢ من هامش ص ٣٣٦