النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٧٩ - المسألة ١٥٢
بنفسها، و تجر المصدر المنسبك بنفسها كذلك؟قالوا: لا؛ إذ ليس فى الحروف كلها ما يعمل عملين مختلفين فى جملة واحدة و وقت واحد. هل تكون قد تجردت للسبك مع النصب، كما تجردت لهما «أن المصدرية» ؟لا يقال هذا؛ لأنها لو تجردت لهما لوجب حذفها بعد إتمام السبك، و قيام المصدر المؤول-عملا بما تقتضيه قواعد السبك-لكن حذفها يؤدى إلى خلو الكلام من العلامة الهامة الدالة على التعليل، و المرشدة إلى ضبط المصدر المنسبك، و إعرابه و ضبط ما قد يكون له من توابع؛ -كالعطف و البدل... - و أيضا يمنع من اعتبارها حرف نصب ما تردد فى الكلام الفصيح من ورود التوابع للمصدر المؤول مجرورة لا منصوبة. و هذا يقطع بأن المتبوع (و هو: المصدر المؤول) مجرور ليس غير. و لا عامل يصلح لعمل الجر فى الجملة إلا هذه اللام.
و لو بقيت-بالرغم مما فى بقائها من مخالفة ضوابط السبك، كما أسلفنا- لأدى بقاؤها إلى اللبس و الاضطراب أيضا؛ إذ لا نستطيع الحكم عليها بأنها هى التى كانت قبل السبك أو أنها أخرى جاءت بعده. و الفرق المعنوى و الإعرابىّ كبير بين النوعين. فلم يبق إلا أن الناصب السابك حرف غيرها مضمر. هو: «أن» دون غيره. و أساس اختيار هذه الكلمة: استقراء الكلام العربى فى أفصح أساليبه؛ فقد دل على أن العرب يعمدون فى الأسلوب الواحد إلى إظهار «أن» بعد «لام التعليل» و إلى إضمارها، مع نصب المضارع فى الحالتين [١] ، دون أن يختلف فى التركيب شىء مما يراد منه،
و ما قيل فى «لام التعليل» يقال فى غيرها من الحروف الأخرى التى تضمر بعدها «أن المصدرية» .
ب-و أما إضمارها وجوبا بعد أحرف أخرى معينة؛ (كالفاء، و الواو، و حتى... و.. و. ) فلأن كلا منها يؤدى معنى خاصا محتوما؛ كالسببية، و المعية، و التعليل، و الغائية... و... و كل هذه معان عقلية مجردة، لا دلالة فيها لزمان، أو مكان، أو ذات، أو غيرها... -على الوجه الوجه الذى شرحناه-فلا توافق بينها و بين المضارع؛ لاقتضائه الزمان حتما. فلا مفرّ من البحث عن وسيلة تمنع التعارض هنا، و تجعل الجملة المضارعية بعد هذه الأحرف المعينة، فى عداد ما يدل على الأمر المعنوى المحض، و هذه الوسيلة هى
[١] أوضحنا الفوارق الكثيرة بين المصدر الصريح و المؤول-فى الجزء الأول باب الموصول م ٢٩ ص ٣٧٧-و بسطنا هناك الأسباب الداعية لاستعمال المصدر المؤول دون الصريح.