النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٦٤ - المسألة ١٤٩
و أنت تأكل... أى: لا تقرأ فى الحالة التى تأكل فيها. أما فى غير هذه الحالة فالأمر مسكوت عنه، لا دليل على النهى عنه أو إباحته، فلا بد من قرينة أخرى تعين أحدهما، و تزيل الاحتمال.
(ب) ألحق الكوفيون «ثم» العاطفة بواو المعية فى المعنى بشرط استقامة المعنى على المعيّة، و أن يسبقها النفى أو الطلب كما يسبقان واو المعية؛ فكلا الحرفين عندهم يؤدى العطف و المعية معا بالشرطين السالفين؛ مستدلين بأمثلة مسموعة، منها قوله عليه السّلام: (لا يبولنّ أحدكم فى الماء الدائم [١] ثم يغتسل منه) ؛ بنصب: «يغتسل» على اعتبار «ثم» للعطف و للمعية «معا» ، و المضارع بعدها منصوب «بأن» المضمرة وجوبا.
و قد عورض رأيهم بأنه يلزم عليه أن يصير معنى الحديث-فى حالة النصب- النهى عن الجمع بين البول فى الماء و الاغتسال منه، أى: النهى عن اجتماع الأمرين و مصاحبتهما. و يترتب على هذا أن البول فى الماء الدائم من غير اغتسال منه مباح؛ كما هو مفهوم الكلام السابق، مع أن هذا المفهوم مخالف للمراد من الحديث؛ إذ المراد منه-كما تدل قرائن متعددة-النّهى المطلق عن البول فى الماء الدائم، سواء أصحبه اغتسال أم لم يصحبه.
و شىء آخر؛ كيف تدل «ثم» على المعية و العطف معا و معناها فى العطف هو الترتيب و التمهل و هما ينافيان المعيّة؟فهل المراد مطلق الاشتراك و لو بغير معيّة. ؟ قال بعض المحققين يناقش الكلام السابق كله بما معناه: إن الإشكال نشأ من قول بعض النحاة: (الفعل: «يغتسل» فى الحديث السابق يجوز نصبه بإعطاء:
«ثم» حكم واو الجمع... ) [٢] فوقع فى الوهم أن المراد إعطاؤها حكمها فى المعية، مع أن أولئك النحاة لم يقصدوها. أما المفهوم و الأخذ بما يقتضيه فإنما يكون حين لا يمنع منه مانع، و لا يصد عنه دليل، كالشأن فى هذا الحديث الشريف فإن الأخذ بمفهومه غير جائز؛ لوجود ما يعارضه و يمنع الأخذ به؛ و هو ثبوت النهى عن البول فى الماء الراكد مطلقا؛ سواء أكان بعده استحمام فيه أم لم يكن.
[١] الراكد.
[٢] مراده: حكمها فى أن المضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا.