النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٢٦ - المسألة ١٤٩
ما يلى «حتى» ) متأخر فى زمنه عما سبقها... و بسبب هذا التأخر كان مستقبلا بالنسبة للسابق، من غير حكاية حال ماضية، و لا تخيل إرجاعها.
و من الأمثلة أيضا قول مؤرخ آخر: (استطاع المسلمون الأوائل فتح فارس.
و الشام، و مصر، فى شهور قلائل؛ لأن سلطان العقيدة غلب كل سلطان آخر، فوهب الرجل منهم نفسه للقتال حتى ينتصر أو يموت شهيدا، لا يعرف التردد، و لا الفرار، و لا الخيانة. و خاض المعركة حتى يبلغ أمنيته فى النصر أو الاستشهاد... ) فالمعنى قبل «حتى» -و هو: الهبة للقتال-قد مضى و انتهى. و كذلك المعنى بعدها؛ و هو: النصر، أو الموت. إلا أن الهبة أسبق فى مضىّ زمنها؛ و لذا يعد الثانى-و هو المتأخر فى زمن انقضائه-مستقبلا بالنسبة للأسبق.
و مثل هذا يقال فى خوض المعركة، و فى بلوغ الأمنية، فكلاهما ماضى المعنى قد فات وقته حقّا، إلا أن خوض المعركة أسبق فى المضى من بلوغ الأمنية، فكان بلوغ الأمنية-بسبب تأخر زمنه-مستقبلا بالنسبة لخوض المعركة.
و جواز الرفع و النصب فى هذه الحالة و أشباهها قائم على أساس التأويل؛ فالرفع على تخيل زمن المضارع حالا مؤولة افتراضا، من غير حكاية؛ لأن المضارع الذى للحال المحكية يجب رفعه-كما تقدم [١] -و النصب إما على اعتباره مستقبلا بالنسبة للمعنى الذى قبل «حتى» ، لا بالنسبة لزمن التكلم. و إما على اعتبار العزم و النية على تحقيق معنى المضارع قبل وقوع معناه. و فى صورة رفعه تكون «حتى» ابتدائية، و فى صورة نصبه تكون جارة و المضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا-كما أسلفنا-
و من الخير عدم استعمال هذه الصورة القليلة التى يصح فيها الأمران [١] ، و إهمالها قدر الاستطاعة.
***
(١ و ١) التفرقة دقيقة بين هذه الصورة و الحال المؤولة؛ و لهذا اعتبرهما-بحق-فريق من النحاة شيئا واحدا، و خالف بعض المحققين: بأن حكاية الحال المؤولة توجب الرفع، و تفيد معنى هاما لا يستفاد من غيرها-و قد شرحناه فى الصفحات الماضية (كالذى فى رقم ٤ من هامش ص ٣٢٣) .. -أما تأويل المضارع الذى ليس للحال بالحال من غير قصد حكاية فيجيز الأمرين و يفيد المعنى نوع تقوية يجعله قريبا من المحكى فى أنه بمنزلة الأمر المحقق الآن. و فى كل هذا تشعيب و تكلف يجعل الرأى الذى يرفض هذا النوع هو الرأى الأنسب، بالرغم من صحة الرأى الآخر.