النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٦٥ - المسألة ١٤٣
نحو: و اللّه لأعملن الخير جهدى-باللّه لأجتنبنّ قول السوء قدر استطاعتى- تاللّه لنحاربن الشر ما وسعتنا المحاربة [١] ... فالأفعال المضارعة: (أعمل- أجتنب-نحارب... ) واجبة التوكيد بالنون، لاستيفائها الشروط كلها، فهى مثبتة، مستقبلة الزمن [٢] ، و قبلها قسم وقعت فى جوابه، مصدّرة بلام الجواب، بغير فاصل بينهما.
فإذا فقد بعض الشروط نشأت صورة جديدة قد يمتنع فيها توكيده، و قد يصح إذا انطبقت عليها أوصاف المنع أو أوصاف الجواز التالية:
فمن الصور التى يمتنع فيها توكيد المضارع بالنون أن يفقد شرط الثبوت فى الحالة السالفة فيكون منفيّا، إمّا لفظا؛ نحو: إن دعيت للشهادة فو اللّه لا أكتم الحق، و إما تقديرا نحو: قوله تعالى: (تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ... ) أى: لا تفتأ، لأن حذف «لا» النافية كثير فى جواب القسم عند أمن اللبس [٣] .
و من الصور التى يمتنع فيها توكيده أيضا أن يفقد شرط الاستقبال فى تلك الحالة أيضا؛ فيكون زمنه للحال بقرينة تدل على هذا، كقول الشاعر:
[١] أى: مدة اتساع المحاربة لنا، و اقتدارنا عليها
[٢] لأن نون التوكيد تخلص زمن المضارع للمستقبل، و لا علامة أو قرينة هنا تمنع تجرده للاستقبال (كما أوضحنا فى ص ١٦٤، و فى حـ ١ ص ٣٨ م ٤) .
[٣] تحذف العرب-أحيانا- «لا» النافية فى جواب القسم، مع ملاحظتها و تقديرها فى المعنى؛ لأن اللبس عندئذ بين المنفى و الموجب مأمون، إذ لو كان الجواب غير منفى فى المعنى و التقدير لوجب أن يكون المضارع مؤكدا باللام و النون معا، جريا على الأغلب فى جواب القسم عند البصريين، و بأحدهما عند أكثر الكوفيين. -و من أمثلة حذف «لا» النافية فى الآية السالفة: (تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) أى:
لا تفتأ. جاء فى أمالى أبى القاسم الزجاجى-ص ٥٠-فى بيت ليلى الأخيلية ترثى توبة:
فأقسمت أبكى بعد توبة هالكا # و أحفل من دارت عليه الدوائر
(أى: لا أبكى و لا أحفل) ما نصه: «تريد: لا أبكى... و العرب تضمر «لا النافية» فى جواب القسم مع ملاحظتها فى المعنى؛ لأن الفرق بينه و بين الموجب قد وقع بلزوم الموجب اللام و النون:
كقولك: و اللّه لأخرجن. قال اللّه عزوجل: «تاللّه تفتأ تذكر يوسف» أى: لا تفتأ تذكر يوسف) . اهـ.
و قال الشاعر:
فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا # و لو قطعوا رأسى لديك و أوصالى
أى: لا أبرح...
-و قد ذكرنا ما تقدم بمناسبة أخرى فى الجزء الأول عند الكلام على: «فتىء» م ٤٢ ص ٥١٠ و فى الجزء الثانى م ٩٠ ص ٣٨٣ بمناسبة الكلام على أحرف القسم و جوابها.