التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٠١ - سورة هود
١١٣- وَ لاََ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنََّارُ و قال ابن عباس حول هذه الآية: إذا كان هذا هو حال من لا يصدر عنه إلا مجرد ركون، و لم يشترك في قول أو فعل، فالويل كل الويل لمن أطرى و شارك، و قال آخر: و لا يحسبن الذين يسكتون عن الظالم أنهم في منجاة من سوء المنقلب، فإن العقوبة لا تترك في ديار الظالمين وحدهم، بل تتعداها إلى الساكت عنهم.
١١٤-١١٥- وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ و الطرف الأول من النهار الصبح، و الثاني الظهر و العصر، و الزلف من الليل الساعات الأولى منه القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه، و المراد بزلفا من الليل هنا المغرب و العشاء.
إِنَّ اَلْحَسَنََاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئََاتِ تنقسم السيئات إلى نوعين: الاعتداء على حق من حقوق الناس، و هذا النوع لا يمحوه شيء حتى التوبة إلا أن يؤدي المسيء إلى المخلوقين من حقوقهم حتى يلقى اللّه أملس ليس عليه تبعة كما قال الإمام علي (ع) و من هنا سمي هذا النوع بالحق الخاص.
النوع الثاني أن يتهاون المسيء بحق من حقوق اللّه سبحانه، و لا شائبة فيه لمخلوق و هذا تمحوه التوبة الصادقة الخالصة أيا كان نوعه حتى الشرك، ما في ذلك ريب، و إذا مات المسيء المتهاون بحقه تعالى قبل أن يتوب، و كان له شيء من الحسنات فعندئذ تجري عملية الموازنة و المقارنة بين حسناته و سيئاته «Bفَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ `وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ -١٠٣ المؤمنون» .
و عليه يكون معنى الآية: بعض الحسنات يذهبن بعض السيئات، و هذا المعنى يستقيم و يتفق مع العدالة الإلهية ذََلِكَ ذِكْرىََ لِلذََّاكِرِينَ ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من الأمر بالاستقامة و إقامة الصلاة و النهي عن الركون إلى الظالمين و المقارنة بين الحسنات و السيئات.
١١٦- فَلَوْ لاََ كََانَ مِنَ اَلْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ من أهل الدين و الفضل، يقال: فلان بقية السلف الصالح أو من بقية القوم أي من بقي منهم بعد ذهاب أكثرهم يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْفَسََادِ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنََا مِنْهُمْ سبحانه: ظهر الفساد و كثر في الأمم الماضية... و ما من أحد جاهد و قاوم ضد من طغى و أفسد إلا قليلا من الأفراد و هذا هو السبب الموجب و الأساس لما حل بتلك الأمم من هلاك و دمار، و معنى هذا أنه لا يسوغ بحال أن نسكت و نتهاون مع المذنب المخرب، و أن مسؤوليتنا تحتم تكوين جبهة قوية تحاسب المعتدي حسابا عسيرا و إلا انتشر فساده كالوباء يأتي على الأخضر و اليابس. قال سبحانه: «Bوَ قََاتِلُوهُمْ حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ -١٩٣ البقرة» وَ اِتَّبَعَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مََا أُتْرِفُوا فِيهِ قال الشيخ الطبرسي في جوامع الجامع: أراد سبحانه بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات، لأنهم اكتفوا بالعيش الهني، و رفضوا ما وراء ذلك و هذا ما لمسناه بالحس و العيان، فأكثر الناس إذا توفرت لهم لقمة العيش رضوا بها، و اطمأنوا إليها، و ليكن ما كان ١١٧- وَ مََا كََانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرىََ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهََا مُصْلِحُونَ بظلم الباء زائدة، و ظلم حال بمعنى ظالم أي لا يهلكها ظالما بها، بل يجري الأمور على أسبابها، و يعامل الإنسان بما يختاره لنفسه، فإذا أراد الخير و الصلاح و سعى له سعيه سالكا إليه طريقه-أمده تعالى بتوفيقه و عونه، و يستحيل في عدله و حكمته أن يصرفه عنه