التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٢١ - سورة الأعراف
و رفعناه فوق اليهود حين أبوا أن يأخذوا التوراة بشرط الالتزام بها و تقدم في الآية ٦٣ من البقرة.
١٧٢- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ و أخذ الذرية هنا عبارة عن إخراجهم من أصلاب الرجال و أرحام النساء إلى الحياة الدنيا جيلا بعد جيل وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ بما أودع فيهم من عقول، و ما في الكون من بينات و دلائل على وجوده تعالى أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلىََ و الشواهد على وجود اللّه سبحانه يحملها الإنسان في جسمه و روحه فضلا عن الكون، بل و في فطرته حتى و لو كان ملحدا، و الفرق أن وجوده تعالى يتجلى في فطرة الملحد عند ما يصهره الخطب و الكرب «و جاءهم الموج من كل مكان و ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا اللّه مخلصين له الدين «يونس» أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ إِنََّا كُنََّا عَنْ هََذََا غََافِلِينَ لا عذر لمن شك في اللّه و هو يرى خلقه الا أن يكون مجنونا، و إن قال قائل: رأينا ألوف العقلاء يشكون و يجحدون قلنا في جوابه: نريد الجنون الخفي الذي يفسر و يعلل كل شيء بأصله و علته الا الكون العجيب، يعلله و يفسره بالصدفة، و يقول المثل الإنكليزي: «لو كان الجنون يؤلم صاحبه لسمعت الصراخ من كل بيت» .
١٧٣-١٧٤- أَوْ تَقُولُوا إِنَّمََا أَشْرَكَ آبََاؤُنََا مِنْ قَبْلُ و هذه الآية واضحة الدلالة على أن من شأن التوحيد أن يكون من المسلمات و البديهات، و ليس موضعا للاجتهاد أو التقليد تماما كوجود الأرض و الشمس، و قال بعض الفلاسفة جاء الخفاء من شدة الظهور و الجلاء.
١٧٥- وَ اُتْلُ يا محمد عَلَيْهِمْ على اليهود نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا جاء في التفاسير أن عالما من علماء بني إسرائيل اسمه بلعم بن باعور، أوتي شيئا من علم الكتاب، و لكنه كفر بعد ذلك و تزندق، و لم أجد اسم باعور و لا بلعم في قاموس الكتاب المقدس و لا في فهرس هذا الكتاب فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ صار قرينا له.
١٧٦- وَ لَوْ شِئْنََا أن نلجئه قهرا إلى العمل بعلمه لَرَفَعْنََاهُ بِهََا أي لارتفعت منزلته و خلد ذكره وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ أي مال إلى الدنيا و زينتها، و رغب فيها فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ هذه الحال دائمة للكلب في الحر و البرد و التعب و الراحة، و كذلك من ينقاد إلى أهوائه، و ينطلق معها سواء أ نصحته أم تجاهلته.
قالإعراب:
مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل اشتمال من بني آدم مع إعادة حرف الجر، و المعنى أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم. و بَلىََ حرف جواب تبطل النفي، فإذا قال لك قائل: ليس لي عندك درهم، و أجبته بلى كان إقرارا منك بالدرهم، و ان أجبت نعم لا يلزمك شيء، و لذا قيل: لو قالوا: نعم في جواب أ لست بربكم لكفروا. و المصدر المنسبك من ان تقولوا مجرور بإضافة مفعول من أجله محذوف أي مخافة قولكم.