التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣١١ - سورة يوسف
الصديق القديس و} قََالَتِ اِمْرَأَةُ اَلْعَزِيزِ اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصََّادِقِينَ و ما أبعد ما بين موقفها هذا، و موقفها الأول الذي قالت فيه لزوجها:
«مََا جَزََاءُ مَنْ أَرََادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاََّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» و أنصحك أيها القارئ أن تنظر ما ذكرناه حول قولها هذا لزوجها، و تقارن بينه و بين موقفها الأخير، لتعلم أن الإنسان الفرد لا ضابط له على الإطلاق، و أنه يتقلب و يتحول تبعا للظروف، فهو في بعضها معتد أثيم، و في آخر رؤوف رحيم تماما كالماء يصبح بخارا أو ثلجا تبعا للبيئة الملائمة، و إذن من الحمق و الرعونة أن نحدد و نحكم على الفرد بلا قيد و شرط انطلاقا من مشهد واحد، و نتجاهل خصائصه الكامنة التي لا تبرز للوجود إلا بالمحك و المفاجئات و المخبآت.
٥٢- ذََلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ للمفسرين أقوال حول هذه الجملة، و ذهب ابن كثير إلى أنها من كلام امرأة العزيز، تعترف به على نفسها ليعلم زوجها أنها لم تخنه مع أي إنسان في غيبته سوى أنها راودت يوسف فامتنع. و ما حدث منها إلا هذا الذنب ليعلم زوجها أنها بريئة. و ليس هذا ببعيد عن السياق و لا عن الاعتبار، فإن الزوجة تهتم قبل كل شيء أن تكون نزيهة عند زوجها.
٥٣- وَ مََا أُبَرِّئُ نَفْسِي لا لشيء إلا لأني إنسان له نفس تهفو إلى ما لذ و طاب سيئا كان أم حسنا، و لا تسلم من عمل السوء إلا بشيء من رحمته تعالى و توفيقه، و قد تجاوزني هذا التوفيق حين راودت يوسف، لأني كنت في عمى عن اللّه و نهيه.
٥٤- وَ قََالَ اَلْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ بيوسف أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أجعله خالصا لي و موضع ثقتي و مشورتي، و حضر يوسف فَلَمََّا كَلَّمَهُ الملك رأى فيه رجاحة العقل و غزارة العلم قََالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنََا مَكِينٌ أَمِينٌ ذو مكانة و أمانة على كل شيء.
ثم قال الملك ليوسف: أيها الصديق نقلوا لي ما قلته في تأويل رؤياي، و أحب أن أسمع ذلك منك، فشرع يوسف في وصف ما رأى الملك و شاهد فتعجب الملك و دهش، ثم قال له يوسف: عليك أن تزرع كثيرا في السنوات المخصبة و تبني العديد من مخازن الحبوب، فيأتيك الناس من كل صوب، و يجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد. فقال الملك من لي بهذا؟ ٥٥- قََالَ -يوسف- اِجْعَلْنِي عَلىََ خَزََائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ أنا أيها الملك أنقذ البلاد من شر المجاعة المقبلة لخبرتي الاقتصادية و إخلاصي و أمانتي، و كان يوسف قد مهد إلى الثقة به و بأمانته على أرواح العباد و أقوات البلاد، بما طلبه من الملك من إعلان براءته على رؤوس الأشهاد كما سبقت الإشارة، و لو لا هذا الإعلان لحاول حواشي الملك الطعن فيه كما هو المعتاد مستغلين الشبهة التي أدت إلى سجن يوسف حتى و لو كانت الشبهة كاذبة و السجن جورا و ظلما، فوافق الملك على اقتراح يوسف و جعله أمينا مطلقا على خزائن