التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٣١ - سورة الأنفال
عن الذين يفسدون في الأرض، و أنتم على علم اليقين بحقيقتهم، و يروى أن ابن عباس حين سمع قوله تعالى: «Bوَ لاََ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنََّارُ -١١٣ هود» قال: إذا كان هذا حال من لا يصدر عنه إلا مجرد ركون، و لم يشترك في قول أو فعل، فالويل كل الويل لمن أطرى و شارك.
٢٨- وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ تقودكم إلى الإثم و الحرام، فكم من رجل آثر زوجته و ذويه و أولاده على السائل و المحروم، و منعهما من الحق المنصوص عليه بالقرآن، و أسوأ حالا من هذا من يقبض من أموال الأغنياء أسهم الفقراء و حقوقهم ليوصلها إليهم كأمين، فيستأثر بها هو و ذووه كأنها ميراث من أبيه أو من كد يمينه! وَ أَنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ إن ثواب اللّه خير و أفضل من الأموال و الأولاد، و لكن عند المتقين باطنا و واقعا لا شكلا و ظاهرا.
٢٩- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اَللََّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقََاناً إذا تحررتم من عاطفة حب المال و الأولاد و طغيانها على دينكم و عقولكم يجعل في قلوبكم هدى و نورا تفرقون به بين الحق و الباطل و الخطأ و الصواب.
٣٠- وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ يا محمد اَلَّذِينَ كَفَرُوا و هم الجبابرة الطغاة من قريش لِيُثْبِتُوكَ ليقيدوك و ليوثقوك أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ يشير سبحانه بهذا إلى قصة تآمر قريش على رسول اللّه (ص) و مبيت عليّ في فراشه، و خلاصتها أن قريشا أجمعت على الخلاص من النبي، فأشار بعضهم أن يوثق و يقيد فتشل حركته و دعوته، و قال آخر: انفوه من مكة، ثم اتفقوا جميعا أن يختاروا من كل قبيلة رجلا، و يغتالوه بضربة واحدة مجتمعين و هو نائم في فراشه، فيتفرق دمه في القبائل، و لا يقوى بنو هاشم على حرب الجميع، فأوحى اللّه إلى رسوله بقصتهم، و أمره أن يبيت علي في فراشه بعد أن يتشح ببرده، و لما بادر القوم إلى مضجع الرسول (ص) أبصروا عليا، فبهتوا و أبطل كيدهم و مكرهم، و إلى هذا أشار سبحانه بقوله: وَ يَمْكُرُونَ أي يدبرون قتل محمد بوسيلة لا يؤخذون معها بدمه وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ أي يبطل سبحانه مكرهم و كيدهم بما دبر من مبيت علي و هجرة النبي وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ أي أن تدبيره تعالى فوق كل تدبير و تقدير، و تقدم مثله في الآية ٥٤ من آل عمران.
٣١- وَ إِذََا تُتْلىََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا القرآن قََالُوا بعض مشركي قريش: قَدْ سَمِعْنََا لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا و لما ذا سكتوا؟و قد تحداهم أن يقلدوا سورة واحدة، و قرعهم بالعجز و القصور، و هم الحريصون على تكذيبه... و لا شيء أيسر على الإنسان من الكلام و حركة اللسان... لقد أنكر السفسطائيون وجود كل شيء حتى وجودهم! ٣٢- وَ إِذْ قََالُوا اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ... هم يعلمون علم اليقين أن محمدا نبي حقا و صدقا، و لكنهم يفضلون الهلاك و الخلود في العذاب الأليم على الخضوع له و الاعتراف بفضله، و هكذا يفعل الحقد و الحسد إذا تأججت ناره في الصدور، و إني لأعرف معرفة شخصية في هذا الوصف أكثر من واحد.