التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٤٦ - سورة المائدة
٤٦- وَ قَفَّيْنََا عَلىََ آثََارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ و عقبنا بعيسى نبيا بعد النبيين الذين كانوا يحكمون بالتوراة مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ و أيضا عيسى كان يحكم بتوراة موسى وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ شأنه في ذلك شأن الكتب السماوية وَ مُصَدِّقاً متمما لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ و كرر سبحانه ذلك لنكون على يقين بأن هدف الأنبياء المرسلة و الكتب المنزلة واحد، هو هداية الإنسان و سعادته دنيا و آخرة.
٤٧- وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنْجِيلِ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فِيهِ و لو حكم كل أهل الكتاب بما فيه حقا بلا تزييف و تحريف لفتح اللّه عليهم و على الناس، كل الناس، بركات السماء و الأرض، و عاشوا إخوانا في الدين و غير الدين.
٤٨- وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ يا محمد اَلْكِتََابَ القرآن بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتََابِ كل ما أنزل من السماء بلا استثناء وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ أي رقيبا على ما سبق القرآن من الكتب السماوية و مميزا بين ما ينسب إلى اللّه تعالى حقا و صدقا و ما ينسب إليه كذبا و افتراء فَاحْكُمْ يا محمد بَيْنَهُمْ بين أهل الكتاب، لأن القرآن يحتوي على كل الأديان السماوية، و لا شيء منها يحتوي على كل ما في القرآن بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ و بالخصوص توحيد اللّه و التكاتف و التآلف بين عباده و عياله وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ عَمََّا جََاءَكَ مِنَ اَلْحَقِّ و النبي لا يتبع الهوى و إلا لم يكن نبيا و النهي عن المحرم يسوغ عقلا و عرفا حتى مع العلم بعدم وقوعه لمجرد البيان بأنه من المحرمات، هذا إلى أن الخطاب من العالي لا يلحظ فيه منزلة المخاطب لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً شريعة في الفروع لا في الأصول و العقيدة وَ مِنْهََاجاً طريقا واضحا يجري عليه وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً و عندئذ نكون كالبهائم و الأنعام، و اللّه سبحانه لا يريدنا كذلك، بل يريد أن نؤمن عن حرية و قناعة، و أن نطيعه عن علم و معرفة و إلا كانت عظمته تعالى محجوبة عن الإنسان.
وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ أبى اللّه سبحانه إلا أن يهب للإنسان عقلا به يميز، و قدرة بها يفعل أو يترك، و حرية كافية بها يختار، ليعمل كل على هويته و شاكلته فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ لا الأحقاد و المشاحنات إِلَى اَللََّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الآراء و المعتقدات و الأعمال و التصرفات.
قالإعراب:
بِالْحَقِّ متعلق بمحذوف حال من الكتاب. و مُصَدِّقاً حال. و لِيَبْلُوَكُمْ منصوب بأن مضمرة بعد اللام، و المصدر المنسبك مجرور باللام متعلق بمحذوف، و التقدير فرقكم ليبلوكم.