موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٠ - لما توجّه تلقاء ماء مَدين
محمّد بن علي وجعفر بن محمّد الكذّابَين فيما يُظهران من الإسلام ؛ وردا عليَّ ، فلمّا صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسّيسين والرُّهبان من كفّار النصارى ! وأظهرا لهم دينهم ومرقا من الإسلام إلى دين النصارى ، وتقرّبا إليهم بالنصرانية ! فكرهت أن اُنكّل بهما لقرابتهما ! فإذا قرأت كتابي هذا فنادِ في الناس : برئت الذمّة ممّن يشاريهما أو يبايعهما أو يصافحهما أو يسلّم عليهما ! فإنّهما قد ارتدّا عن الإسلام ! ورأى أمير المؤمنين أن يقتلهما شرّ قِتلة !
فلمّا شارفنا مدينة مَدين قدّم أبي غلمانه ليرتادوا لنا منزلاً ويشروا لدوابّنا علفاً ولنا طعاماً ، فلمّا قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في وجوهنا ! وشتمونا وقالوا : لا نزول لكم عندنا ولا شراء ولا بيع ! يا كفّار يا مشركين ! يا مرتدّين يا كذّابين ! يا شرّ الخلائق أجمعين ! ووقف غلماننا على الباب .
فلمّا انتهينا إليهم كلّمهم أبي وقال لهم بليّن القول : اتّقوا اللََّه ولا تغلطوا ، فلسنا كما بلغكم ، ولا نحن كما تقولون . فأسمَعونا كلماتهم السابقة ! فقال لهم : فهبنا كما تقولون افتحوا الباب وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى ! فقالوا : أنتم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس ! لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية وأنتم ما تؤدّون ! فقال لهم أبي : فافتحوا لنا الباب وخذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم ! فقالوا : لا نفتح ، ولا كرامة لكم ! حتّى تموتوا على ظهور دوابّكم جياعاً وتموت دوابّكم تحتكم !
فثنى أبي رجله عن سرجه ونزل وقال لي : يا جعفر مكانك لا تبرح . ثمّ صعد الجبل المطلّ على مدينة مَدين ، وأهل مدين ينظرون إليه ما يصنع . فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه وجسده المدينة ثمّ وضع إصبعيه في اُذنه ثمّ نادى بأعلى صوته : «وَ إِلىََ مَدْيَنَ أَخََاهُمْ شُعَيْباً قََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ وَ لاََ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ إِنِّي أَرََاكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * `وَ يََا قَوْمِ أَوْفُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ بِالْقِسْطِ وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ وَ لاََ تَعْثَوْا