موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٥ - أراد المنصور نصرة فقه مالك
من عظماء البلاد وأكابر الزهّاد الذين يخشون ربّهم ، وكان كثير الحديث طيّب المجالسة كثير الفوائد . فإذا قال : قال رسول اللََّه ، اخضرّ مرّة واصفرّ أُخرى حتّى لينكره من لا يعرفه [١] . فهو يعترف بشرف الصادق عليه السلام في العلم ، فهو أعلم منه .
إلّاأ نّه لم يردّ بذلك على المنصور لما أمره أن يضع للناس كتاباً يحملهم الخليفة عليه وقال له : ضعه فما أحد اليوم أعلم منك [٢] !
وممّا جاء في ذلك : أنّ المنصور لما حجّ وقد وضع مالك بعض كتابه ورأى بعضه المنصور - فلعلّه في حُجة لاحقة - أحضره وقال له : قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنّفتها ، فتنسخ ، ثمّ أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم بأن يعملوا بما فيه ولا يتعدوه إلى غيره !
فقال له : يا أمير المؤمنين ! لا تفعل هذا ؛ فإنّ الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم واُتوا به ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم [٣] .
فالمنصور - أولاً - حاكم نظامي كسائر الحكام النظاميين ، شهد اختلاف الفقهاء على عهده ، فما أحبّ ذلك الضجيج الذي أثاروه بجدالهم ونقاشهم ، وذهاب كل فريق منهم مذهباً يخالف الآخر وتمسكه بمذهبه بحيث يراه الوحيد الجدير بأن يتّبع ، ويرى غيره باطلاً أو فاسداً مفسداً !
وثانياً : يهمّه أن يتوحد الناس في مملكته تحت قانون واحد يؤخذ به قاصيهم ودانيهم ، ويُعمل به في كل ناحية من نواحي هذه المملكة الواسعة .
[١] مناقب آل أبي طالب ٤ : ٢٩٧ .
[٢] الزرقاني في مقدمته لشرحه لموطّأ مالك ١ : ٨ ، وانظر الإمام الصادق لأسد حيدر ١ : ٢٢٩ .
[٣] حجة اللََّه البالغة للدهلوي : ٤٥ .