موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٠ - الإمام عليه السلام والمنصور ببغداد
وكان المنصور على بساط صوفٍ متلبّد وتحته سيفٌ ذو فِقار ، فأطرق ساعة ثمّ قال : أبطلت وأثمت ! وكان عن يساره مِرفقة جرمقانية فرفع ثنيها وأخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه وقال : هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي وأن يبايعونك دوني !
فقال : واللََّه - يا أمير المؤمنين - ما فعلت ، ولا أَستحلّ ذلك ! ولا هو من مذهبي ؛ وإني لممّن يعتقد طاعتك على كل حال ! وقد بلغت من السنّ ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته ، فصيّرني في بعض حبوسك حتّى يأتيني الموت ! فهو منّي قريب !
فقال : لا ، ولا كرامة ! ثمّ أخذ مقبض السيف فسلّ منه مقدار شبر ! ثمّ ردّ السيف وقال :
يا جعفر ! أما تستحي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل وتشق عصا المسلمين ! تريد أن تريق الدماء ! وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء !
فقال : لا واللََّه - يا أمير المؤمنين ! - ما فعلت ، ولا هذه كتبي ولا خطّي ولا خاتمي ! فانتضى ذراعاً من السيف ، ثمّ أقبل يعاتبه وجعفر ( عليه السلام ) يعتذر ! ثمّ انتضى السيف إلّايسيراً منه ! ثمّ أغمد السيف ، وأطرق ساعة ، ثمّ رفع رأسه وقال له :
أظنك صادقاً !
ثمّ قال لي : يا ربيع هات العيبة ( الوعاء ) فأتيته بها ، وكانت مملوّة من العطور الغالية فقال لي : أدخل يدك فيها وضعها في لحيته ! وكانت لحيته بيضاء ففعلت ذلك حتّى اسودّت لحيته ! ثمّ قال لي : احمله على دابّة فارهة من دوابّي التي أركبها وشيّعه إلى منزله مكرّماً ، وأعطه عشرة الآف درهم ، وإذا ذهبت به إلى المنزل خيّره بين المقام عندنا فنكرمه والانصراف إلى مدينة جدّه رسول اللََّه .