موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٨ - قتل المنصور لأبي مسلم
فقال أبو مسلم : قد أتيت يا أمير المؤمنين فليأمرني بأمره . قال : انصرف إلى منزلك وضع ثيابك وادخل الحمّام ليذهب عنك كلالُ السفر .
وأقام أبو مسلم أياماً وفي كل يوم يأتي المنصور فيريه من الإكرام ما لم يُرِه قبل ذلك ، وهو ينتظر به الفرصة . وأقبل أبو مسلم فلمّا صار إلى الزقاق الداخلي قيل له : إن أمير المؤمنين ! يتوضّأ ، فلو جلست ! وكان على حرس المنصور عثمان بن نُهيك فاستدعاه المنصور ومعه حرب بن قيس وشبيب بن رياح المرورودي وقال لهم : إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا ، وإذا صفقت بيدي فدونك يا عثمان ! وجعلهم في قطعة من الحجرة في ستر خلف محلّ أبي مسلم .
وقيل له : أن قد جلس أمير المؤمنين فقام ليدخل ومعه سيفه ! فقيل له : انزع سيفك ! فقال : ما كان يُصنع بي هذا ! فقيل : وما عليك ! فنزع سيفه ، وعليه قباء أسود وتحته جبّة خزّ ( فكان شتاءً ) .
فدخل فسلّم وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها ، وخلف ظهره القوم خلف ستر . فقال أبو مسلم : يا أمير المؤمنين صُنع بي ما لم يُصنع بأحد ، نُزع سيفي من عنقي ! قال : ومن فعل ذلك قبّحه اللََّه ! ثمّ أقبل يعاتبه يقول له : فعلت وفعلت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لا يقال مثل هذا لي على حسن بلائي وما كان مني ! فقال المنصور : يابن الخبيثة ! واللََّه لو كانت أمة أو اِمرأة مكانك لبلغت ما بلغت في دولتنا ، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلاً ! ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك ، والكاتب إليّ تخطب ابنة علي ابن عمي وتزعم أنك ابن سليط بن عبد اللََّه بن العباس ، لقد ارتقيت - لا أُمّ لك - مرتقى صعباً ، يقول ذلك وترتعد يده . ثمّ صفق بيده ، فخرج عثمان لقتله فأكبّ أبو مسلم إلى رجل المنصور يقبّلها فدفعه برجله ، وضربه شبيب على عاتقه فأسرعت فيه ثمّ اعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه وهو يستغيث ، ثمّ أمر المنصور فلفّ في مَسح ووُضع ناحية .