موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٨ - أنِس المنصور بمالك بن أنس
فقال مالك : أمير المؤمنين أعلى عيناً وأرشد رأياً وأعلم بما يأتي وما يذر ، وإن أذن لي قلت .
قال المنصور : نعم ، فحقيق أن نسمع منك ونصدر عن رأيك .
فقال مالك : أما أهل مكة فليس بها أحد ، واما أهل العراق فقد قالوا قولاً تعدّوا فيه طورهم ! وإنّما العلم علم أهل المدينة كما قال الأمير ! و ( لكن ) لكلّ قوم سلف أئمة ، فإن رأى أمير المؤمنين - أعزّ اللََّه نصره - إقرارهم على حالهم فليفعل .
فقال المنصور: أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفاً ولا عدلاً ! وإنّما العلم علم أهل المدينة ، وقد علمنا أنك إنّما أردت خلاص نفسك ونجاتها .
فقال مالك : أجل يا أمير المؤمنين ، فاعفني يعف اللََّه عنك .
فقال المنصور : قد أعفاك أمير المؤمنين ( من الإجلاس بمكة ) وايم اللََّه ما أجد أعلم منك ولا أفقه بعد أمير المؤمنين [١] !
وللدينوري هنا خبر آخر يفيد أن المنصور كان إلى جانب ما بلغه عن مالك ، بلغه عن ابن أبي ذؤيب [٢] أصعب منه ، وعن ابن سمعان بعكسهما ، وقد مرّ مجلسه السابق مع مالك بلا عتاب ، فليجمعهم هذه المرة ليكون فيه بعض العتاب عليه ، والخبر عن مالك قال :
بعد مفارقتي للمنصور وخروجي عنه ، أتاني رسوله بمنى ليلاً قال : أجب أمير المؤمنين ! فلم أشك أ نّه للقتل ! فعهدت عهدي واغتسلت وتوضأت ولبست كفني وتحنّطت ثمّ نهضت فدخلت عليه في السرادق ، وهو قاعد على فراش قيل إنّه كان من فرش هشام بن عبد الملك كان قد أهداه إليه صاحب القسطنطينية ،
[١] الإمامة والسياسة ٢ : ١٧٠ - ١٧١ .
[٢] محمّد بن عبد الرحمن العامري المدني توفي في ( ١٥٩ هـ ) .
ـ