موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٦ - أنِس المنصور بمالك بن أنس
و
أنِس المنصور بمالك بن أنس :
نقل ابن قتيبة عن مطرف من أصحاب مالك بن أنس عنه قال : لما وقفنا بمنى [١] أتيت سرادق المنصور وعرّفتهم بنفسي واستأذنت عليه ، فدخل الآذن وخرج فأدخلني ، فقلت له : إذا انتهيت إلى قبة أمير المؤمنين ! فأعلمني . فمرّ من سرادق إلى سرادق ومن قبة إلى اُخرى ، في كلها أصناف الرجال بأيديهم السيوف المشهورة والأعمدة المرفوعة ، حتّى قال لي الآذن : هو في تلك القبة ، ثمّ تركني وتأخّر عني .
فمشيت حتّى انتهيت إلى قبّته فإذا هو قد لبس ثياباً مقتصدة لا تشبه ثيابه ! وقد نزل عن مجلسه إلى بساط دونه تواضعاً لدخولي عليه ! وليس معه في القبة إلّا قائم على رأسه بالسيف مصلت ! فلمّا دنوت منه رحّب بي وقرّب وقال : هاهنا إليّ فلم يزل يدنيني حتّى أجلسني إليه وألصق ركبتي بركبته ! ثمّ قال :
يا أبا عبد اللََّه ! واللََّه الذي لا إله إلّاهو ما أمرت بالذي كان ولا علمته قبل أن يكون ، ولا رضيته لمّا بلغني ( يعني ضربي ) فحمدت اللََّه تعالى على كلّ حال ثمّ نزّهته عن الأمر والرضا به . ثمّ قال :
يا أبا عبد اللََّه ؛ لا يزال أهل الحرمَين بخير ما كنتَ بين أظهرهم ! وإني إخالك أماناً لهم من عذاب اللََّه وسطوته ! ولقد دفع اللََّه بك عنهم وقعة عظيمة ؛ فإنهم أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها «قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ » * وقد أمرت أن يؤتى بعدوّ اللََّه ( جعفر العباسي ) من المدينة على قتب ، وأمرت بضيق مجلسه والمبالغة في امتهانه ! ولابدّ أن اُنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه !
[١] قال ابن قتيبة ٢ : ١٧٠ : وذلك في سنة ( ١٤٨ هـ ) . بل المعروف المشهور عند سائر المؤرخين : ( ١٤٧ هـ ) .