كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٧٩ - الصورة الثالثة
و من المعلوم أنه- زمان موت المورّث- لا ينطبق على كلتا الساعتين بل على إحداهما، و حيث يحتمل أنه الساعة الثالثة فيحصل الانفصال.[١]
ثمّ بعد هذا ذكر قدّس سرّه: أنه بهذا اتضح أن الاستصحاب في كل طرف لا يجري لا لأجل المعارضة- يعني كما ذكر شيخنا الأعظم- بل لأنه غير قابل لذلك في حدّ نفسه، من جهة اختلال ركنه، و هو إحراز اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين.[٢]
و الثمرة بين الرأيين تظهر إذا لم تترتّب ثمرة على أحد الاستصحابين، كما ذكرنا ذلك سابقا.[٣]
[١] هذا الإشكال و الجواب هو الذي يتلائم أكثر مع التفسير الثاني، فإنه بناء عليه يصح أن يقال: إن الاتصال بين الزمانين متحقّق بالبيان المذكور في لا يقال.
[٢] و بهذا اتضح أنه يعتبر في الاستصحاب ثلاثة أركان: اليقين السابق، و الشكّ اللاحق، و صدق نقض اليقين بالشكّ.
[٣] قد ذكرنا سابقا مثالا للثمرة، و نذكر الآن مثالا آخر لذلك، و هو ما لو فرض وجود أخوين، مات أحدهما قبل الآخر و لا نعرف المتقدّم و المتأخر، و نفترض أن لأحدهما ولدا دون الآخر، إنه في مثل هذه الفرضية نستصحب حياة الأخ الذي له ولد إلى زمان موت الأخ الآخر، و يترتّب على ذلك ارثه من أخيه، و لا يعارض ذلك باستصحاب حياة من لا ولد له، لعدم ترتّب ثمرة عليه، إذ الثمرة المتصوّرة هي ارثه من أخيه، و من المعلوم أنه لا يرث منه بعد فرض وجود ولد له.
ثمّ إنه إذا تجلّى مقصود الشيخ المصنف و اتضحت النكتة التي استند إليها لإثبات عدم جريان الاستصحاب في حدّ نفسه نأخذ الآن بالتعليق على ما أفاده قدّس سرّه. إنه ذكرنا تفسيرين لمقصوده، و كلاهما قابل للمناقشة.
أما التفسير الأوّل فباعتبار أن موت الوارث لو كان قد وقع في الساعة الثانية فلا يصدق عليه أنه متيقن رغم وجود العلم الإجمالي، و بالتالي لا يكون المورد من موارد نقض اليقين باليقين بل يبقى هو من موارد نقض اليقين بالشكّ، و القضية وجدانية قبل أن تحتاج إلى بيان و توضيح، و كيف لا يصدق نقض اليقين بالشكّ و الحال أنه قدّس سرّه يسلّم بجريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي، فلو فرض أن لدينا اناءين، كانت حالتهما السابقة هي النجاسة مثلا، ثمّ علمنا بطرو الطهارة على أحدهما ففي مثله هل يمكن جريان استصحاب النجاسة في كل واحد منهما بقطع النظر عن المعارضة؟ إنه سيأتي في أواخر مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى أن الشيخ المصنف يعترف بجريانه في كل واحد منها، نعم رفض الشيخ الأعظم ذلك، باعتبار لزوم المناقضة بين الصدر و الذيل في روايات الاستصحاب، إلّا أن هذا مطلب آخر، و المهم أن الشيخ المصنف يعترف بجريان الاستصحاب في كل واحد من الطرفين في حدّ نفسه رغم أننا نعلم إجمالا بطرو الطهارة على أحدهما.
إذن وجود العلم الإجمالي لا يمنع من صدق نقض اليقين بالشكّ.
ثمّ إنه ما معنى أن احتمال طرو اليقين الناقض بين الساعة الأولى و الثالثة يمنع من جريان الاستصحاب لكون المورد آنذاك من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؟ إن الصفات الوجدانية لا تقبل طرو الشكّ عليها، فلا معنى لأن يقول شخص: إني أشكّ في تحقّق اليقين لي، أو أشكّ في تحقق الظن لي، أو أشكّ في تحقّق الشكّ لي، أو شكّ في انتقاض اليقين بالشكّ، أنه لا معنى لكل ذلك، و الأمر في واقعه يرجع إلى أنه عندي شكّ لا أكثر، و هذا يعني أنه لا معنى لاحتمال كون المورد هو من موارد نقض اليقين باليقين، كلا بل إن المورد إما أن يكون من موارد نقض اليقين باليقين جزما أو ليس منها جزما، و لا يتصور احتمال كونه منها. هذا كله بالنسبة إلى التفسير الأوّل.
و أما التفسير الثاني فباعتبار أن الفاء الواردة في بعض الأحاديث هي بمعنى الواو، و لا يحتمل أن الاتصال في حدّ نفسه أمر لازم و يمنع عدمه من جريان الاستصحاب و إلّا يلزم أن لا يجري- الاستصحاب- في أكثر الموارد، فلو علم مثلا بعدالة زيد في الساعة الأولى، و شكّ في بقائها في كلتا الساعتين: الثانية و الثالثة فإنه لا إشكال في استصحاب بقائها إلى الساعة الثالثة رغم أنه يحتمل تبدّل تلك العدالة السابقة إلى عدم العدالة في الساعة الثانية فيكون الفاصل بذلك متحقّقا بين الساعة الأولى و الثالثة، بل إن نفس الفاصل يلزم أن يكون مانعا سواء فرض كونه هو عدم العدالة أو العدالة نفسها، و هل يحتمل أحد ذلك؟ إذن ما ذكره قدّس سرّه من عدم إمكان جريان الاستصحاب في حدّ نفسه أمر مرفوض لبطلان كلا التفسيرين.