كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٣٠ - التنبيه السابع الأصل المثبت
الشرعية فليس هناك يقين بلحاظها، فإنّنا ذكرنا في إحدى المقدمات السابقة أن محل الكلام هو في الواسطة التي لا يقين بها سابقا.
ثمّ قال قدّس سرّه: إن الاحتمال الثالث ضعيف أيضا، أي ليس التعبّد ببقاء المستصحب هو بلحاظ آثاره الشرعية الأعم من المباشرية و غيرها، بل القدر المتيقن هو التعبّد ببقاء المستصحب بلحاظ خصوص آثاره الشرعية المباشرية دون آثاره الشرعية غير المباشرية.
هذا حاصل ما أفاده الشيخ المصنف قدّس سرّه في توجيه عدم حجية الأصل المثبت.
و حصيلة ما ذكره قدّس سرّه هو التمسّك بفكرة القصور في المقتضي، فهو يقول: إن غاية ما يستفاد من حديث لا تنقض هو التعبّد ببقاء المستصحب بلحاظ آثاره الشرعية المباشرية و لا يستفاد منه أكثر من ذلك.[١]
[١] هاهنا نقاط ثلاث تجدر الإشارة إليها، و هي:
١- إن الشيخ المصنف ذكر في المقدمة الأولى أن المستفاد من أحاديث الاستصحاب أن المجعول فيه هو الحكم المماثل، و هذه المقدمة قد ذكرها الشيخ الأعظم في الرسائل أيضا-( ص ٣٨٣) المحشاة بحواشي رحمت اللّه- و لكن لا نعرف وجها لارتباطها بالمطلب، أي بعدم حجية الأصل المثبت، فإن ذلك قد يوحي بأن عدم الحجية يرتبط بمسلك جعل الحكم المماثل، و الحال أنّنا عرفنا أن تمام النكتة هي القصور في المقتضي، و هذه النكتة تتمّ على بقية المسالك أيضا، فلو قلنا بمسلك جعل العلمية مثلا فالقصور في المقتضي تام أيضا، إذ يقال: إن القدر المتيقن من الروايات هو جعل الشاك في البقاء عالما من ناحية الآثار الشرعية المباشرة لا غير، و هكذا بناء على فكرة الجري العملي.
و عليه فعدم الإشارة إلى هذه المقدمة في هذا الموضع أجدر و أولى. ٢- إن الشيخ المصنف- وفاقا لشيخه الأعظم في الرسائل- قد أطال في بيان الوجه في عدم حجية الأصل المثبت، فذهب يمنة و يسرة من دون أيّ حاجة إلى ذلك، و كان بإمكانه أن يقول باختصار هكذا: إن النكتة في عدم حجية الأصل المثبت هو أن المستفاد من روايات لا تنقض هو التعبّد بلحاظ نفس المتيقن و آثاره الشرعية المباشرية، و ذلك هو القدر المتيقن منها و لا يستفاد أكثر من ذلك.
إن تمام النكتة هو هذا، و لا يريد قدّس سرّه بيان شيء غير ذلك، و هذا لو كان يبيّن بالشكل المذكور لكان سهل الهضم و التناول، و كان الطالب آنذاك أشد تفاعلا معه أخذا و عطاء.
٣- إن لنا بيانا آخر لتوضيح عدم حجية الأصل المثبت لا يختلف عمّا ذكره الشيخ المصنف من حيث الروح و إنما يختلف من حيث المنهجة و البيان لا أكثر.
و حاصل البيان المذكور: أنّنا لو أردنا أن ندافع عن الأصل المثبت و نحكم بحجيته فالوجه في ذلك أحد أمور ثلاثة:
أ- أن يتمسك بفكرة الملازمة، بأن يقال: إن لازم عدم وجود الحاجب على أعضاء الوضوء هو وصول الماء إلى بشرتها، و لا يمكن تحقّق أحد المتلازمين دون الآخر.
و فيه: أن هذا وجيه بلحاظ عالم التكوين و الوجود الخارجي، فإنه خارجا إذا وجد أحد المتلازمين يلزم وجود الآخر، و لا يمكن وجود أحدهما بدون الآخر، و لكن كلامنا الآن ليس هو بلحاظ الوجود الخارجي، بل بلحاظ عالم التعبّد و الاعتبار، و من الواضح أنه لا محذور في التعبّد بأحد المتلازمين دون الآخر، كما هو الحال في قوله تعالى: وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ، حيث اعتبرت زوجات النبي صلّى اللّه عليه و آله أمّهات المؤمنين، و الشخص لا يجوز له الزواج بأمّه، و لكن هل يحتمل أحد أن لازم ذلك جواز النظر إليهن؟ و جواز ارثهن؟ و ما شاكل ذلك من آثار الأمّية؟ كلا إنه اعتبار من زاوية خاصة، أعني من زاوية حرمة الزواج بهنّ بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ليس من جميع الزوايا، إن هذا أمر معقول و وجيه، و إذا قبلناه هنا فلنقبله في مثل استصحاب حياة الولد، و استصحاب عدم الحاجب.
ب- أن نسلّم بإمكان التفكيك في مقام التعبّد و الاعتبار، و لكن ندّعي أن مقتضى الإطلاق هو التعبّد بلحاظ جميع الآثار لا خصوص الآثار الشرعية المباشرية، فإن حديث لا تنقض لم يقيد بخصوص ذلك، و مقتضى إطلاقه الشمول للجميع. و فيه: أن كلمة الآثار لو كانت موجودة في الحديث لأمكن التمسك بإطلاقها، و لكنه لم يوجد فيه ذلك، حيث إنه قال: لا تنقض اليقين بالشكّ، نعم نحن من باب صيانة كلام الحكيم عن اللغوية ذكرنا أنه لا بدّ و أن يكون المقصود هو التعبّد بعدم النقض من زاوية الآثار، و من المعلوم أن محذور اللغوية يندفع بتقدير القدر المتيقن من الآثار، أعني الآثار الشرعية المباشرية، و أما إرادة ما زاد على ذلك فيحتاج إلى قرينة.
ج- التمسك بفكرة اللغوية، بأن يقال: إن التعبّد بعدم وجود الحاجب من دون تعبّد بآثاره شيء لغو و لا فائدة فيه، فمن باب صيانة كلام الحكيم عن اللغوية نقول: إن الحكيم إذا عبّدنا بعدم الحاجب على أعضاء الوضوء فيلزم أن يعبّدنا بآثار ذلك، أعني وصول الماء إلى البشرة، و من ثمّ بتحقّق الوضوء و جواز الدخول في الصلاة مثلا.
و فيه: إن هذا وجيه إذا فرض ورود رواية خاصة تعبّدنا بعدم الحاجب عند الشكّ في تحقّقه، فإنه في مثل ذلك تأتي تلك الفكرة، فيقال: إن التعبّد بعدم الحاجب بدون التعبّد بآثاره شيء لغو، و لكن المفروض عدم وجود رواية من هذا القبيل، بل أقصى ما في الأمر أن لدينا إطلاق مثل حديث لا تنقض، و نحن ندّعي أن الإطلاق المذكور لا يشمل المورد المذكور لا أنه يشمله و يعبّدنا الشارع بعدم الحاجب من دون تعبّد بآثاره.
أمّا لما ذا لا يشمل الإطلاق المورد المذكور؟ ذلك لأنّا نحتمل أنه خاص بخصوص المورد الذي له آثار شرعية مباشرية، لأن مثله يليق بالشارع أن يعبّدنا ببقائه، و أما ما زاد على ذلك فيشكّ في شمول الإطلاق له من الأساس، أي يشكّ في انقعاد الإطلاق بلحاظ ما زاد، و معه لا معنى للتمسك بأصالة الإطلاق، فإن التمسّك به فرع انعقاده في المورد.