موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٠ - أنِس المنصور بمالك بن أنس
فقال ابن سمعان : يا أمير المؤمنين ، أنت - واللََّه - خير الرجال ، تحجّ بيت اللََّه الحرام ، وتجاهد العدو ، وتؤمّن السبل ، ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي ، وبك قوام الدين ، فأنت خير الرجال !
فالتفت إلى ابن أبي ذؤيب وقال له : ناشدتك اللََّه ، أي الرجال أنا عندك ؟
قال : أنت - واللََّه - عندي شرّ الرجال ! استأثرت بمال اللََّه ورسوله وسهم « ذوي القربى » واليتامى والمساكين ! وأهلكت الضعيف ، وأتعبت القوي وأمسكت أموالهم ، فما حجتك غداً بين يدي اللََّه ؟!
فقال له المنصور : ويحك ما تقول ؟! أتعقل ؟! انظر ما أمامك ! قال :
نعم رأيت أسيافاً ، وإنّما هو الموت ولابدّ منه ، فعاجلُه خير من آجله ! ( فأشار المنصور واُخرجا ) .
فالتفت إليّ وقال لي : إني لأجد عليك رائحة الحنوط ! قلت : أجل ، لمّا نُمى إليك عني ما نُمى - من الفتوى - وجاءني رسولك بالليل ظننته القتل ، فاغتسلت وتطيّبت ولبست ثياب كفني !
فقال المنصور : سبحان اللََّه ! ما كنت لأثلم الإسلام وأسعى في نقضه ! أو ما تراني أسعى في ( رفع ) أود الإسلام وإعزاز الدين ؟! عائذاً باللََّه مما قلت يا أبا عبد اللََّه ؛ انصرف راشداً مهدياً .
قال فبتّ ليلتي ، فلمّا أصبحنا أمر المنصور بثلاث صرر في كل صرّة خمسة آلاف دينار ! ودعا برجل من شرطته وقال له : اقبض هذا المال وادفع لكل رجل منهم صرّة ، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله ، وإن ردّها فلا جناح عليه ! وابن سمعان ( القاضي ) إن أخذها فهي عافيته ، وإن ردّها فأتني برأسه ! وابن أبي ذؤيب إن ردّها فبسبيله وإن أخذها فأتني برأسه . فردّها ابن أبي ذؤيب فسلم ! وأخذها ابن سمعان فسلم ، وأما أنا فكنت محتاجاً إليها فأخذتها ،