موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٩ - ابن المقفّع ومعارضة القرآن
ومن خبر المفضل بن عمر الجعفي الكوفي عن ابن أبي العوجاء هذا يظهر أ نّه التقى الصادق عليه السلام مناظراً له غير مرة ، وكان مع صاحبه - ولعلّه ابن المقفّع - في روضة المسجد النبوي الشريف ، وتذاكرا ابتداء الأشياء فزعم ابن أبي العوجاء أن ذلك كان بلا صنعة ولا تدبير ولا صانع ولا تقدير ؛ بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر ، فهي على هذا لم تزل ولا تزال !
وسمعهما المفضل فلم يتمالك نفسه غضباً حتّى صاح به منكراً عليه قائلاً له : يا عدو اللََّه ! أنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم وصوّرك في أتم صورة ونقلك في أحوالك حتّى بلغ بك إلى حيث انتهيت ، وألحدت في دين اللََّه !
فقال : يا هذا ، إن كنت من أهل الكلام كلّمناك .. وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد الصادق .
فلقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت .. فهو يسمع كلامنا ويصغى إلينا ويتعرّف حجّتنا حتّى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا أ نّا قطعناه ، دحض حجّتنا بكلام يسير وخطاب قصير ، يُلزمنا به الحجّة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه ردّاً ! فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه ، فإنه ما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا ، وإنّه الحليم الرزين والعاقل الرصين ، لا يعتريه خرق ولا نزق ، وما هكذا يخاطبنا ولا بمثل دليلك يجادلنا .
قال المفضّل : فخرجت من المسجد مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة .
ودخلت على مولاي ( الصادق عليه السلام ) فرآني منكسراً فقال : مالك ؟ فأخبرته بما سمعته من هذين الدهريَّين وبما رددت عليهما .
فقال : يا مفضل لألقينّ عليك من حكمة الباري « جلّ وعلا وتقدّس اسمه » في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوام ، وكل ذوي روح من الأنعام ،