التعليقة الاستدلالية على تحرير الوسيلة - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ٢٢٥ - فصل في عقد النكاح وأحكامه
إشعارٌ بأنّ ملاك الحرمة فيه ومناطه ملاك سياسيّ لا طبيعيّ، فتشبه حرمتها وحرمة غيرها نجاسة الكافر ونجاسة البول مثلًا.
وثانياً: أنّ قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ ...» يعطي قاعدة كلّيّة ثانويّة حاكمة مع ذكر الاستثناء في متن الكبرى في غير الأخيرة. ولا ينافي كلّيّتها تعلّق الاضطرار فيها بأُمور خاصّة؛ فإنّ الحكم كلّي، والمورد لا يخصّص ذلك، فالمعنى: من اضطرّ إلى ارتكاب محرّم من المحرّمات- كهذه الامور- فلا إثم عليه؛ فالكلام يساوق في المفاد قوله صلى الله عليه و آله:
«رفع عن أُمّتي ما اضطرّوا إليه».
وثالثاً: أنّ الباغي لغةً: الظالم والعادي: المتجاوز عن الحدّ، وقد ذكر في النصوص لهما مصاديق: ففسّر الباغي بمطلق الظالم، وباغ الصيد- ولعلّه الصيد لهواً- وبالخارج على إمام المسلمين، وفسّر العادي بالسارق، واللصّ، وبالغاصب، وبقاطع الطريق.
والمراد: أنّه لو حصل الاضطرار إليها بواسطة هذه الامور لم ترتفع الحرمة؛ لأنّ رفع الأحكام الأوّلية ليس إلّاللامتنان، ولا منّة على الآثم العاصي لربّه، والمخالف الباغي على إمامه.
ورابعاً: أنّه قد يتوهّم: أنّ لازم ذلك عدم تعذيب اللَّه تعالى الباغي والعادي ونحوهما- بقتل أنفسهم- لو تركوا الأكل عند الاضطرار فماتوا جوعاً؛ لأنّه قد وقع امتثالًا لنهيه تعالى، فلا عقاب لمَن أطاع أمره تعالى ونهيه.
لكنّه باطل لسقوط دليل النهي عنه- حينئذٍ- بمعارضة أدلّة حرمة قتل النفس وإلقائه في التهلكة، كقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُواأَنفُسَكُمْ»،[١] «وَلَا تُلْقُوابِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»[٢] «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَآؤُهُوجَهَنَّمُ»[٣] وغيرها، وهي مقدّمة على
[١]. النساء( ٤): ٩٣ ..
[٢]. النساء( ٤): ٩٣ ..
[٣]. النساء( ٤): ٩٣ ..