التعليقة الاستدلالية على تحرير الوسيلة - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ٢٦٩ - فصل في عقد النكاح وأحكامه
إيجاد المعنى، فقصد المعنى من مقوّمات ماهيّة العقد، فلا عقد ولا عهد ولا شرط بدونه، فلا صحّة ولا نفوذ ولا وجوب للوفاء أيضاً.
نعم، وقع الإشكال والاختلاف في عقد السكران: فذهب عدّة من أصحابنا إلى صحّة عقده مطلقاً- ذكراً كان أو انثى- إذا أجاز بعد الإفاقة.
وآخرون إلى صحّة عقد خصوص السكرى مع الإجازة، وكيف كان فالصحّة على خلاف القاعدة؛ لما عرفت من عدم حصول القصد منه لعدم شعوره، فلا تشمله العمومات، فلابدّ في الحكم بالصحّة من دليلٍ خاصٍّ.
قال في «المستمسك»: «الظاهر تحقّق القصد من السكران بل والنائم بل والحيوان؛ إذ القصد الإرادة والحيوان فصله المميّز له عن مطلق الجماد كونه متحرّكاً بالإرادة»[١].
قلت: ينبغي هنا التعرّض لأمرين:
الأوّل: بيان الخدشة فيما ذكره قدس سره من تحقّق الإرادة في السكران كالنائم والحيوان.
فنقول: إنّ الإرادة حالة فكريّة نفسيّة باعثة طبعاً على حركة العضلات نحو المراد أو مقدّماته، سريعة الحدوث والزوال في الغالب، وهي تكون على أقسام؛ فإنّها تتولّد تارةً بنفسها في الفاعل المريد بلا مقدّمةٍ فكريّةٍ كتحريك النائم يده ورجله.
واخرى: تكون مسبوقةً بمقدّمتين: تصوّر الشيء والميل إليه، كما إذا رأى الجائع الخبز، والعطشان الماء فيتحرّكان نحوهما، وهذا غالباً يكون في الصبيان ونحوهم، وفيمن لا يبالي بمضارّ الشيء ومفاسده الدنيويّة أو الاخرويّة، بحيث لم ينقدح في ذهنه حين الإرادة ما يزاحمها من تصوّر الضرر والحرمة ونحوهما، ولعلّه الحال في أغلب الحيوانات على ما تفعله من حركاتها، فترى الغنم يسارع نحو العلف بمجرّد رؤيتها له، ولا إشكال في كون الفعل الصادر بهذا النحو إراديّاً.
[١]. مستمسك العروة الوثقى ١٤: ٣٨٦ ..