كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤١٦ - الحكم بناء على الطريقية
نفي الاحتمال الثالث، أعني استحباب صلاة الجمعة فلا يسقطان عن الحجية، فإن كليهما متّفق و دالّ على نفي الاستحباب.
نعم يبقى هذا السؤال، و هو أن نفي الاحتمال الثالث هل يتمّ بواسطتهما معا أو يتمّ بواسطة أحدهما؟ الصحيح أنه يتمّ بواسطة أحدهما، و نعني به الذي لا يعلم بكذبه، فالذي يعلم بكذبه هو ساقط عن الحجية و لا يمكن بواسطته نفي الثالث، و أما الآخر الذي لا يعلم بكذبه فهو رغم كونه مجهولا و غير متعيّن لنا يمكن بواسطته نفي الاحتمال الثالث.
إذن لا يمكن نفي الثالث بواسطتهما معا، لفرض أن أحدهما كاذب و ليس بحجة، بل لا بدّ من نفيه بأحدهما، و هو الخبر الآخر الذي لا يعلم بكذبه.
الحكم بناء على الطريقية:
ثمّ استدرك قدّس سرّه و قال: إنّا ذكرنا أن مقتضى القاعدة الأوّلية في باب المتعارضين هو سقوطهما معا عن الحجية لعدم تعيّن ذلك الواحد الذي يعلم بكذبه، و لكن نقول: إن هذا يتمّ بناء على أن الأمارات حجة من باب الطريقية دونه بناء على السببية،[١] فإنه لو بنينا على الطريقية- كما هو المسلك الصحيح- فالخبر لا يكون طريقا إلّا إذا فرض عدم العلم بكذبه، إذ مع العلم بكذبه و عدم احتمال إصابته للواقع فلا معنى لكونه طريقا، فالطريق هو خصوص ما يحتمل صدقه، و بما أنّا نعلم بكذب أحدهما فلا يكون هذا المعلوم كذبه طريقا، و حيث إن هذا يحتمل انطباقه على كل واحد من الخبرين فكلاهما يسقط عن الحجية.
[١] المراد من مسلك الطريقية أن الخبر مثلا قد جعله الشارع حجة من باب أنه طريق موصل إلى الواقع، و ربما يصيبه و ربما يخطأه، من دون أن يكون سببا لحدوث مصلحة في مؤداه، و هذا بخلافه بناء على مسلك السببية، فإن قيام الخبر على وجوب صلاة الجمعة مثلا يصير سببا لحدوث مصلحة في فعل صلاة الجمعة.