كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٠٦ - الإشكال الثالث على الاستصحاب التعليقى
في الصلاة، فإن وصول الماء إلى البشرة أثر عادي أو عقلي لعدم الحاجب واقعا، فإن عدم وجود الحاجب واقعا يحقّق وصول الماء إلى البشرة.
و مثال الثاني: استصحاب بقاء وجوب الجمعة من زمن الحضور إلى زمن الغيبة، فإن لازم بقاء الوجوب إلى زمن الغيبة حكم العقل باستحقاق العقاب على المخالفة، و من المعلوم أن حكم العقل لا يترتّب على خصوص الوجوب الواقعي بل الأعم منه و من البقاء التعبّدي الحاصل بالاستصحاب.
و محذور الأصل المثبت إنما يلزم في النحو الأوّل، أي فيما إذا كان الأثر مترتّبا على المستصحب بوجوده الواقعي، و أما إذا كان مترتبا على وجوده الأعم- كما في النحو الثاني- فلا يلزم، إذ البقاء التعبدي للمستصحب متحقّق بالوجدان و بنحو الجزم و اليقين فيلزم أن يثبت حكم العقل بنحو الجزم أيضا.
و باتّضاح هذا نعود إلى الإشكال الثالث و نقول: إن حكم العقل بتنجّز الحرمة و لزوم امتثالها يكفي فيه وصول الكبرى و الصغرى، و الكبرى- أعني أنه يحرم إن غلى- قد وصلت بالاستصحاب، و الصغرى- أعني أنه قد غلى- قد وصلت بالوجدان، و معه يحكم العقل بلزوم الامتثال و التنجّز بلا لزوم محذور الأصل المثبت.
و هذا الإشكال و الجواب قد أشار إليهما الشيخ المصنف بقوله:
(فإنه قضية نحو ثبوتهما كان بدليلهما أو بدليل الاستصحاب).
هذه هي حصيلة المطالب التي أفادها الشيخ المصنف في هذا التنبيه الخامس.[١]
[١] و باتّضاح المطالب التي ذكرها الشيخ المصنف نعود إلى التعليق على ما أفاده قدّس سرّه. ١- إنه ذكر قدّس سرّه في الجواب عن الإشكال الأوّل أن الحرمة المعلّقة لها حظ من الوجود فتستصحب نفس الحرمة المعلّقة، و في مقام التعليق نقول: إن الشيء إذا كان معلّقا على شرط، و كان ذلك الشرط معدوما و لم يتحقّق بعد فلا يكون ذلك الشيء ذا حظّ من الوجود و إلّا فزيد مثلا يصدق عليه أنه إذا كان له ذهن وقّاد فهو الآن علامة الزمان فهل يفرح بهذا الوجود المشروط؟ إنه إذا كان يفرح فيمكن أن تتشكل في حقه مئات بل آلاف مثل هذه القضية الشرطية، إن عدم الاكتراث بهذه القضايا الشرطية بمقدار رأس ذرة يدل على أن الوجود المشروط ليس له حظ من الوجود.
إذن استصحاب الحرمة المشروطة ليس استصحابا لشيء موجود، و كان المناسب للشيخ المصنف إجراء الاستصحاب في الملازمة- كما صنع الشيخ الأعظم في الرسائل- فإنها متيقنة جزما في حالة العنبية فإذا شكّ في بقاءها استصحبت إلى حالة الزبيبية.
و لا يشكل على ذلك بأنه أصل مثبت، إذ يدفع بأن وصول كبرى الملازمة بالاستصحاب، و الصغرى بالوجدان يكفي لحكم العقل بالتنجّز، كما أشار إليه الشيخ المصنف في جواب الإشكال الثالث.
٢- إنه ذكر قدّس سرّه في الجواب عن الإشكال الثاني بأن الحلية المغياة لا تتنافى مع الحرمة المعلّقة، و في مقام التعليق نقول: إن الحلية الفعلية التي يراد استصحابها ليست هي الحلية الثابتة في حالة العنبية، بل الحلية الثابتة في حالة الزبيبية، فيقال هكذا: إن الزبيب قبل أن يغلي كان حلالا جزما بحلية فعلية، و بالاستصحاب يثبت أن هذه الحلية ثابتة إلى ما بعد الغليان، و بناء على هذا لا معنى لما أفاده الشيخ المصنف من وجود ملائمة كاملة بين الحرمة المعلّقة و الحلية المغياة، إن هذا يتمّ لو كانت الحلية المنظورة هي الحلية الثابتة حالة العنبية، أما إذا كان المنظور هو الحلية الثابتة حالة الزبيبية فلا يتمّ، إذ الحلية الثابتة حالة العنبية هي مغياة بالغليان، و هذا بخلاف الحلية الثابتة حالة الزبيبية، فإنه لا يجزم بكونها مغياة حتّى لا يكون وجودها الاستصحابي منافيا للحرمة المعلّقة المستصحبة. ٣- إنه ذكر قدّس سرّه في مناقشة الحكومة التي ادّعاها الشيخ الأعظم بأن الشكّ في ثبوت الحلية و الحرمة للزبيب بعد الغليان هو عين الشكّ في بقاء الحلية و الحرمة الثابتة للعنب، و هذا يمكن أن يعلّق عليه بما يلي: إن الشيخ الأعظم قدّس سرّه ادّعى أن الشكّ في بقاء الحلية الفعلية للزبيب بعد غليانه هي مسبّبة عن الشكّ في بقاء الحرمة المعلّقة للعنب، و هذان شكّان، و ليسا شكا واحدا، إذا الشكّ في بقاء الحرمة كيف يكون عين الشكّ في بقاء الحلية؟ و هل بقاء الحرمة عين بقاء الحلية؟ إنه شيء غريب حقا، نعم هما متلازمان، لا أنهما شيء واحد.
إن الشكّين قد صاغهما الشيخ الأعظم بالنحو المتقدّم الذي نقلناه عنه و لم يصغهما بالشكل الذي ذكره الشيخ المصنف حتّى يرد عليه أنهما شكّ واحد خارجا و ليسا شكين، إنه لم يقل: إن الشكّ في اتّصاف الزبيب بالحرمة الفعلية بعد الغليان مسبّب عن الشكّ في بقاء الحرمة المعلقة للعنب، و الشكّ في اتصاف الزبيب بالحلية الفعلية مسبب عن الشكّ في بقاء الحلية السابقة للعنب، إنه لو كانت الصياغة هكذا فدعوى الاتحاد حسب ما أشار إليه الشيخ المصنف تكون أمرا وجيها و إنما صاغ الشكّين و السببية بينهما بالشكل المتقدّم فلاحظ.
٤- و أما ما أفاده في الجواب عن الإشكال الثالث فهو شيء جيد و متين، و كان المناسب إجراء الاستصحاب في الملازمة و دفع إشكال المثبتية بما ذكر في جواب الإشكال الثالث.
و يبقى إشكال المعارضة بين الاستصحابين لا بدّ من دفعه بفكرة الحكومة أو بغيرها.