الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٥٤٢ - الباب الحادي والثلاثون باب الاستطاعة
روى ابن بابويه في توحيده في «باب الاستطاعة» عمّن سأل أبا عبداللَّه عليه السلام فقال له: إنّ لي أهلَ بيت قدريّة يقولون: نستطيع أن نعمل كذا وكذا، ونستطيع أن لا نعمل؟ قال:
فقال أبو عبداللَّه عليه السلام: «قل له: أتستطيع[١] أن لا تذكر ما تكره، ولا تنسى[٢] ما تحبّ؟ فإن قال:
لا، فقد ترك قوله، وإن قال: نعم، فلا تكلّمه أبداً، فقد ادّعى الربوبيّة» انتهى[٣].
وقولهم: نستطيع أن نعمل معناه: نستطيع الحالَ أن نعمل في ثاني الحال.
إن قلت: ليس مذهب المعتزلة أنّا نتمكّن في الحال على فعل في ثاني الحال تمكّناً يكون مع استجماع العلّة التامّة له حقيقةً أو حكماً؛ إنّما مذهبهم تقدّم آلة التمكّن، وهي ما يظنّ معه حصول التمكّن في وقت الفعل كما ذكرتم عند قوله عليه السلام: «فجعل فيهم آلة الاستطاعة»، وهذا مناط صحّة تعلّق التكليف الظاهري، ولذا وجب الشروع في السير إلى مكّة على من استطاع له وإن علم اللَّه منه أنّه يموت قبل الوصول. وأمّا التمكّن الذي هو مناط صحّة تعلّق التكليف الواقعي المنجّز الذي يدور معه استحقاق العقاب على المخالفة وجوداً وعدماً، فلا يحصل إلّافي وقت الفعل.
قلت: هذا توجيه حسن من جانبهم لو رضوا بذلك، ولم يصرّحوا بنقيضه، ولا يبقى لنا حينئذٍ نزاع معهم فيه، ولكن صرّحوا بالنقيض؛ فإنّ جماهيرهم يقولون: لا تتحقّق القدرة في وقت الفعل، وباقيهم يقول: إنّه تبقى القدرة إلى وقت الفعل، لكنّ الفعل لا يصدر عن الفاعل بها؛ إنّما يصدر بالقدرة المقدّمةُ كما ذكره شارح المواقف،[٤] وسيظهر من اولى شبههم وثانيتها. فعلى هذا التوجيه يلزم أن لا يتحقّق في المكلّفين في الواقع التمكّنُ- الذي هو مناط جواز التكليف الواقعي أصلًا على رأي جماهيرهم- ويتحقَّقَ على احتمال لغوا على رأي باقيهم.
[١]. في« ج»:« تستطيع» بدون همزة الاستفهام. وفي المصدر:« هل تستطيع».
[٢]. في المصدر:« وأن لا تنسى».
[٣]. التوحيد، ص ٣٥٢، ح ٢٢.
[٤]. شرح المواقف، ج ٦، ص ١٥٤.