الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٤٢٦ - الباب الرابع والعشرون باب البداء
من التقدير وقيدٍ هو الختم[١]. ويتصادق هذه المفهومات الأربعة في فعل لم يتقدّمه مفض إليه لولاه لم يتحقّق هذا الفعل، أو تقدّمه ولم يلاحظ المقدّم.
ولذا فسّر أهل اللغة كلّاً من المشيئة والإرادة بالاخرى، ويتصادق بعضها في فعل تقدّمه مفض أو مفضيان، أو لوحظ ذلك فقط، وتتفارق فيما تقدّمه امور كلّ واحدٍ منها مفض إليه لولاها لم يتحقّق.
ولوحظ ذلك إلى أقسام أربعة؛ لأنّ الامور إمّا امور مقدّمة زماناً على الفعل، وإمّا مجتمعة معه زماناً، والمقدّمة المتعدّدة لها أوّل وآخِر ووسط، فتخصّص أوّلها بلفظ المشيّة؛ لأنّها أبسط مفهوماً، فيناسب تخصيصها بالأوّل، وتخصّص الوسط بلفظ الإرادة؛ لأنّها أبسط مفهوماً بعد المشيّة، وتخصّص الآخر بلفظ التقدير؛ لأنّه أبسط مفهوماً بعد الإرادة، وتخصّص المجتمع مع الفعل بلفظ القضاء؛ لأنّه أشدّ تركيباً، وفيه الختم، فيناسب تخصيصه بالآخر.
ولعلّ هذه التخصيصات مَجازات لغةً.
إن قلت: إذا كان القدر والقضاء متلازمين، فما معنى ما روى ابن بابويه في كتاب التوحيد في «باب القضاء والقدر» عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «أفرّ من قضاء اللَّه إلى قدر اللَّه عزّ وجلّ» حين عدل من عند حائط مائل إلى حائطٍ آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء اللَّه؟[٢]
قلت: إنّما تلازمهما إذا تعلّقا بشيءٍ واحد.
ومعنى الحديث: أفرّ الآنَ من أن يقضى عَلَيَّ بعد الآنَ- أي في وقت الفعل- سقوطُ الحائط عليَّ إلى أن يقدّر لي الآنَ- أي قبل وقت الفعل- عدمُ سقوطه عَلَيَّ في وقت الفعل. وهذا بيان أنّ القدر والقضاء من اللَّه تعالى لا يوجب جبر العبد على أفعاله الاختياريّة كما سنفصّله في أوّل «باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين» وفي أحاديث
[١]. الفروق اللغويّة، ص ٣٨ و ٤٢٢، الفرق بين القدر والقضاء؛ معجم مقاييس اللغة، ج ٥، ص ٦٢.
[٢]. التوحيد، ص ٣٦٩، ح ٨.