الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٥٠٠ - الباب الثلاثون باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين
وللتفويض بهذا المعنى فردان هو القدر المشترك بينهما:
الأوّل: إقدار اللَّه تعالى العبدَ على فعل بحيث لا يكون في مقدوره تعالى من المقرّبات إلى الفعل أو إلى الترك ما لو فعله بالعبد لاختار غير ما اختاره من الفعل والترك، فيلزمه أن يصدر عن العبد ما يختاره وإن شاء اللَّه أن لا يصدر. وقد بيّنّا في تحرير محلّ النزاع بيننا وبين المعتزلة معنى مشيئة اللَّه في أوّل الخامس والعشرين[١].
وهذا مذهب المعتزلة؛ لقولهم بوجوب كلّ لطف ناجع على اللَّه تعالى[٢].
ويلزم من ذلك أنّ العبد إن اختار العصيان كان عاصياً بغلبة على اللَّه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، فإنّه لو كان في مقدوره تعالى لطف ناجع لفعل؛ لأنّه لا يترك الواجب عليه مع قدرته عليه، وعندهم أنّ كلّ لطف ناجع يجب عليه، فلم يتحقّق العصيان إلّا لعدم قدرته على اللطف الناجع.
ويلزم من ذلك أيضاً أنّ العبد إن اختار الطاعة كان مطيعاً بإكراه؛ بمعنى أنّه بحيث إن شاء اللَّه تعالى على فرض المحال تركَ الطاعة، ربّما لم يقدر على صرفه عن اختياره الطاعة إلى اختياره تركها؛ لعدم الفرق بين الإقدار على الطاعة، والإقدار على العصيان بديهةً واتّفاقاً.
الثاني: إقدار اللَّه تعالى العبدَ في وقت على فعل في ثاني الوقت، ويلزم من ذلك أن يكون العبد مستقلّاً في القدرة غير موقوف فعله على الإذن من اللَّه. وقد مضى أيضاً معنى الاستقلال ومعنى الإذن في أوّل الخامس والعشرين[٣]. وهذا أيضاً مذهب المعتزلة حتّى أنّ أكثرهم يقولون: لا تبقى القدرة في وقت الفعل[٤].
[١]. أي في الحديث ١ من باب في أنّه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة.
[٢]. المغني في أبواب العدل والتوحيد، ص ١١٦؛ وحكاه عنهم الرازي في كتاب المحصّل، ص ٤٨١؛ والعلّامة في معارج الفهم، ص ٤٢٢.
[٣]. أي في الحديث ١ من باب في أنّه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة.
[٤]. شرح الاصول الخمسة، ص ٣٩٠. وحكاه السيّد المرتضى في الذخيرة في علم الكلام، ص ٨٨؛ وشرح جمل العلم والعمل، ص ٩٧؛ والشيخ الطوسي في الاقتصاد، ص ١٠٤.