الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٥٠٦ - الباب الثلاثون باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين
(وَقَالَ إِبْلِيسُ: «رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي»[١]) أي أشقيتني، فإنّ الغاوي هو الشقيّ، ولَيس فعل الشرّ من الشقيّ بالجبر وإن كان فيه وجوب لاحق. وفي رواية البرقي بعد هذا هكذا:
«ولا قالوا بقول نوح: «وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»[٢]»[٣].
(فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، مَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ) أي بأنّه لم يبق طريق للَّهتعالى إلى إيمان الكافر إلّا الجبر. والمقصود أنّي لا اوافقهم في القول بالتفويض.
(وَلكِنِّي). استدراكٌ عمّا يفهم من نفي التفويض من القول بأنّ مشيئة اللَّه تتعلّق بالمعاصي.
(أَقُولُ: لَايَكُونُ) أي شيء في الأرض ولا في السماء من أفعال العباد ونحوهم.
(إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ) أي إلّابسبب أمر آخر شاءه اللَّه، وهو أفضى إلى اختيار العبد المعصيةَ أو الطاعة بدون جبر. ومقصوده بإدخال الباء الجارّة في قوله: «بما شاء» أن يأتي بكلام يدلّ على نفي التفويض بدون أن يشتمل على أنّ مشيئته تعالى تتعلّق بالمعاصي.
والإنصاف أنّ هذا التدقيق من يونس تدقيق عجيب وإن كان مدفوعاً؛ لغفلة يونس عن تدقيق فوق هذا التدقيق، كما سيظهر في جوابه عليه السلام وإقرار يونس بالغفلة.
(وَأَرَادَ، وَقَدَّرَ وَقَضى، فَقَالَ: يَا يُونُسُ، لَيْسَ هكَذَا) أي ليس الحقّ الصريح هكذا.
وهذا متعارف في ردّ الكلام الذي ظاهره حقّ، ومقصود المتكلّم به ضمّ أمر آخر غير حقّ إليه كما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه لمّا قال بعض الخوارج ردّاً عليه في الرضا بالتحكيم: لا حكم إلّاللَّه، قال عليه السلام: «كلمة حقّ اريد بها باطل»[٤].
[١]. الحجر( ١٥): ٣٩.
[٢]. هود( ١١): ٣٤.
[٣]. المحاسن، ج ١، ص ٢٤٤، ٢٣٨.
[٤]. نهج البلاغة، ص ٨٢، ح ٤٠. و فيه« يريد» بدل« اريد».