الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٥٤٠ - الباب الحادي والثلاثون باب الاستطاعة
المعلوم شخصه في كلّ زمان بدلالة المحكمات الناهية عن الحكم بالظنّ والاجتهاد، وظهور أنّ غاية دعوى غيره الاجتهادُ، فالجمهور المشركون إنّما أتوا من قبل أنفسهم، والأقلّون سكتوا في زمننا إلى ظهور الحجّة، ولو انحصر الدنيا فيهم أو كثروا، لخرب الدنيا، أو ظهر الحجّة عليه السلام.
واعلم أنّه يحتمل أن يكون لفظة «شاء» في كلام المشركين جارياً مجرى اللازم، فمقصودهم أنّه تعالى موجَب كما زعمته الفلاسفة الزنادقة، وأنّ الموجَب لا يستحقّ عبادة بدون شريك من العقول- مثلًا- وهم الملائكة عندهم. ثمّ إنّه يجيء في ثالث «باب الهداية أنّها من اللَّه» ما يظهر به الجواب عن شبهة اخرى لهم.
وأمّا في التفويض الثاني- وهو الإقدار في الحال على فعل في ثاني الحال- فبأدلّة:
الدليل الأوّل: أنّه يستلزم أن يكون العبد مستقلّاً في القدرة، أي أن لا يقدر تعالى على أن يسلب في ثاني الحال بدون مشيّة العبد شيئاً ممّا يتوقّف عليه مقدور العبد، وكونُه مضادّة للَّهتعالى في ملكه ظاهر.
أمّا بيان اللزوم فبأنّ معنى القدرة هو التمكّن الذي هو مناط جواز التكليف الواقعي، أي الذي لو خولف استحقّ عليه العقاب، وهو مفهوم بديهيّ نسبيّ يختلف باختلاف ما نسب إليه، فإنّ العبد متمكّن من فعلٍ غيرُ متمكّن من آخر، وهو مشترك معنىً بين اللَّه المتمكّن من كلّ شيء وعبده بالنسبة إلى ما هو متمكّن منه.
فنقول: هذا المعنى لا يتحقّق في شخص بالنسبة إلى فعل إلّامع استجماعه للعلّة التامّة لصدور ذلك الفعل عنه؛ إمّا استجماعاً حقيقةً، وهو ظاهر؛ وإمّا استجماعاً حكماً، وهو أن يكون ما لم يتحقّق بعدُ من أجزاء العلّة التامّة واجبَ التحقّق بالذات كبقاء اللَّه تعالى، أوبالنظر إلى علّته، كما هو عند بعض المجبّرة القائلين بأنّ كلّ حادث له وجوب سابق،[١] أو أن يكون ذلك الشخص مستجمعاً حقيقةً للعلّة التامّة لصدور ما لم يتحقّق
[١]. انظر شرح الاصول الخمسة، ص ٣٩٠. وحكاه السيّد المرتضى في الذخيرة، ص ٨٨؛ والشيخ الطوسي فيالاقتصاد، ص ١٠٤.