الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٥٣٥ - الباب الحادي والثلاثون باب الاستطاعة
لزم نقض الغَرَض. بيان الملازمة: أنّ المكلّف إذا علم أنّ المكلَّف لا يطيع إلّاباللطف، فلو كلّفه من دونه، كان ناقضاً لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعامه، وهو يعلم أنّه لا يجيبه إلّا أن يستعمل معه نوعاً من التأدّب، فإذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدّب، كان ناقضاً لغرضه، ونقض الغرض قبيح في نفسه كالكذب ولوم المجبور، فيمتنع على اللَّه تعالى مطلقاً؛ أي وإن عارضه مصالح ومفاسد كما حُقّق في محلّه.
والجواب: أنّ غرض المكلّف التعريض للثواب والعقاب لا نفس العبادة؛ بدليل أنّه لو كان الغرض نفس العبادة، لاستحال عدم وقوعها من أحد من المكلّفين، فإنّ عدم ترتّب العلّة الغائيّة على المُغيّا لا يجوز في فعل الحكيم تعالى، ولذا قلنا: إنّ قوله تعالى في سورة الذاريات: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»[١]- على تقدير إرجاع الضمير إلى الجنّ والإنس، لا إلى المؤمنين المذكورين قبله- أنّ الغاية بالذات فيها طلب العبادة، ونفس العبادة غاية بالعرض اقيمت مقام طلبها؛ تشبيهاً للمطلوب بالغاية بغاية الغاية، وغرضُ الداعي قد يكون نفس المجيء، فيقبح ترك التأدّب، وقد لا يكون، فلا يقبح.
ومنها: أنّ اللَّه تعالى رؤوف بعباده أكثر من الأب والامّ بالولد، ونعلم قطعاً أنّ الأب الحكيم الرؤوف بولده إذا علم من ولده أنّه يلقي نفسه في النار مع عدم لطفه به وقد قدر على لطف يمنعه من اختيار ذلك، لفعل ذلك اللطف البتّة، وإلّا كان سفيهاً أو غير رؤوف.
والجواب: أوّلًا: النقض بأنّه يلزم أن لا يكون تعالى قادراً على سلب القدرة على المعصية عن العبد؛ لأنّ الأب إذا علم من ولده أنّه لا يمتنع من إلقاء نفسه في النار إلّا بشدّ رجليه ونحوه- ممّا يزيل قدرته وقد قدر على ذلك- لفعل ذلك، ثمّ إنّه لو علم أنّه لا يقدر على ذلك وكان قادراً على عدم ولادته، لم يلده البتّة، واللَّه تعالى خلق الكفّار على علم. ثمّ إنّه إن أذنب ولده كلّ ذنب، لم يرض بأن يعذّبه بالنار أبد الآبدين، واللَّه تعالى ليس كذلك.
وثانياً: أنّا نرى ضدّ اللطف، فإنّه تعالى يخلق بعض الناس مائلين بحسب الجبلّة إلى
[١]. الذاريات( ٥١): ٥٦.