موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦٩ - الوقائع الحاسمة
البواري كما مرّ ، وأصحاب طاهر في إقبال وقوة ، وأصحاب الأمين في إدبار ونقص ، وأصحاب طاهر يهدمون وأصحاب الأمين يأخذون من الدور الأبواب والأخشاب والثياب وينهبون المتاع ، وقطع الطاهر عنهم موادّ الأقوات القادمة من الطرق من الواسط والبصرة ، فكان رطل الخبز عندهم بدرهم وعند طاهر وأصحابه عشرون رطلاً بدرهم ! فاشتدّ الجوع وضاقت النفوس وأيسوا من الفرج ، وتقدم طاهر في مواضع كثيرة ، واشتدّ القتال وعمل السيف والنار وتبادرت الرؤوس ، وفني خلق من العُراة أصحاب مِخلاة الحجارة والآجر ( الطابوق أو القرميد ) وخوذ الخوص ودرق الحُصُر والبواري ورماح القصب وأعلام الخِرق وبوقات القصب وقرون البقر !
وضاق الحال بالأمين واشتدّ به الحصار فأمر قائدَين من قوّاده ذُريح والهرش أن يتتبعا أصحاب الأموال والودائع والذخائر من المسلمين وغيرهم ، فاجتبيا بذلك أموالاً كثيرة ، وفرّ الأغنياء وهربوا بذريعة الحج . واشتدّ به الحال فباع ما في خزائنه سرّاً وفرقه أرزاقاً في من معه .
واجتمع هؤلاء العراة أصحاب الأمين يوماً فكانوا نحو « مئة ألف » برماحهم القصب ، ونفخوا في أبواقهم القصب وقرون البقر ، وزحفوا من مواضع كثيرة نحو قوات طاهر ، وبعث طاهر إليهم بعدد من قواده وأُمرائه في وجوه كثيرة ، وكثر القتل والقتال إلى الزوال على قوات طاهر ، ثمّ ظهر قواد المأمون على هؤلاء العراة بعد الزوال ، فغرق منهم واُحرق وقُتل نحو « عشرة آلاف » !
والأمين باقٍ في مدينة المنصور ، فلمّا اشتدّ الأمر عليه شاور من حضره من خواصّه للنجاة بنفسه ، منهم السندي بن شاهَك ، فقال له بعضهم : تُكاتب طاهراً لعله يجيبك إلى ما تريد منه [١] .
[١] مروج الذهب ٣ : ٤٠٦ - ٤١٠ .