الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٣ - الاستدلال بالكتاب العزيز
محلِّقين و مقصِّرين، أي تدخلون المسجد الحرام و أنتم بين محلّق و مقصّر، و هذا لا ينطبق إلّا على دخولهم المسجد الحرام بعد الفراغ من أعمال و مناسك منى، و أمّا في دخولهم الأوّل إلى المسجد الحرام لأداء عمرة التمتع فلم يكونوا محلّقين و لا مقصّرين حين الدخول، و الظاهر من الآية الكريمة أنّهم يدخلون حال كونهم محلّقين و مقصّرين فقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ) و (مُقَصِّرِينَ) حال للدخول، و هذا ينطبق على إتيان أعمال الحجّ و مناسك منى، فالآية الشريفة واردة مورد الحج ... ثمّ قال: إذا عرفت ذلك فلا ريب أنّ حج المسلمين الذين حجّوا مع النبي ٦ في تلك السنة كان حج صرورة، إذ لم يحجّوا قبل ذلك، و مع ذلك خيّرهم اللّه تعالى بين الحلق و التقصير. ( [١])
يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ ما ذكره يخالف سياق الآيات و أسباب النزول و ما اتّفق عليه المفسّرون بأنّ النبي الأكرم ٦ رأى في المنام أنّه دخل الكعبة و حلق رأسه و أخذ مفتاح البيت و قصّ رؤياه على أصحابه و تفأل بها خيراً، و لذلك أمر أصحابه بالتهيّؤ للعمرة، و لكنّ مشركي قريش وقفوا أمامه و بعد مفاوضات كثيرة تصالحوا على رجوع النبي و من معه في هذه السنة إلى المدينة، على أن يقدموا العام القادم للعمرة، فلمّا دخلت السنة التالية استعد النبي مع أصحابه للعمرة و أسموه عمرة القضاء، و تحقّق الخبر السماوي، أي قوله سبحانه: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ)، و قد أطبق الأصحاب على أنّ الناسك يتحلّل في العمرة المفردة بالتقصير و الحلق و لكن الثاني أفضل، فلذلك قال سبحانه: (مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ). يقول المحقّق في أحكام العمرة
[١]. المعتمد: ٥/ ٣١٩.