التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٥ - فوائد التمثيل
* وقوله تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ»[١] لو اعتبرنا التشبيه في جملة «فَاصْدَعْ» فقد شبّهت شوكة المشركين وهيبتهم بصرح زجاجي، وشبّهت الدعوة بمصادمة هذا الصرح، وشبّه التأثير البليغ بالصَدع، وهو الأثر البيّن في الزجاجة المصدومة.
وهذا من تشبيه عدّة أشياء بأشياء مع إفاضة الحركة والفعل والانفعال. فقد شبّه النبي صلى الله عليه و آله في إبلاغ دعوته للمشركين بمن يرمي بقذائفه إلى قلاع مبنيّة من زجاجات سريعة التكسّر والانهيار.
قال الجرجاني: وإن كان ذمّا كان مسّه أوجع وميسه ألذع، ووقعه أشدّ وحدّه أحدّ، كما جاء في قوله تعالى- في تصوير حالة من اوتي الهداية فرفضها لغيّه وانسلخ منها-:
«فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ»[٢] إنّه من التمثيل الرائع وفي نفس الوقت لاذع، إنّه يمثّل مشهد إنسان يؤتيه اللّه آياته ويخلع عليه من فضله ويعطيه الفرصة للاكتمال والارتفاع ... ولكن، ها هو ذا ينسلخ من هذا كلّه انسلاخا، كمن ينسلخ عن أديم جلده بجهد ومشقّة، ويتجرّد من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويهبط من الافق العالي إلى سافل الأَرض، فيصبح غرضا للشيطان، لاوقاية ولاحمى، وإذا هو العوبة أو كرة قدم تتقاذفه الأقدار، لا إرادة له ولا اختيار، فمثله كمثله كلب هراش لاصاحب له، ويلهث[٣] من غير هدف. ويتضرّع من غير أن يجد من يشفق عليه.
وهكذا جاء تصويره لمن حمّل ثقل الحقّ ولايهتدي به بالحمار يحمل أسفارا، هي أفضل ودائع الإنسان، يئنّ بثقلها ولايعي شرف محتواها: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً».[٤] فقد كلّفوا حمل أمانة اللّه في الأرض، لكن القلوب الحيّة الواعية هي التي تطيق عبء هذه الأمانة، وقد افتقدها هؤلاء فلم يصلحوا لحملها ومرافقتها.
وإن كان حجاجا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر. قال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ
[١] - الحجر ٩٤: ١٥.
[٢] - الأعراف ١٧٦: ٧.
[٣] - اللهث: دلع اللسان عطشا أو تعبا.
[٤] - الجمعة ٥: ٦٢.