التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٤ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
و لا أذكر لك ما في كلام فصحائهم، من خطبائهم وشعرائهم، من طرق فصاحة انتهجوها، وخيل بلاغةٍ ألجموها وأسرجوها، وما وجد في مراكضهم ومضاميرهم، من سُبّقهم، ومحاضيرهم، من الافتنان في بابي الكناية والمجاز، وإصابة مواقع الإشباع والإيجاز، والإبداع في الحذف والإضمار، والإغراب في جملة اللطائف والأسرار، فإنّك تُعارضني بأنّ هذه الأشياء أشرك اللّه فيها العقلاء، ورأينا الأعاجم قد صنّفوا فيها معاجم، فكم في الفرس من الفرسان، وما أهل خراسان بالخرسان، على أنّي لو قلت تلك[١] لوجدت مقالًا، وصادفت لفرسي مجالًا، ولأصبت فيه وجها من الاحتجاج، وردّا للشغب واللجاج، فإنّ هذه الأشياء لاتجمل ولاتجزل، ولا تنبل ولا تفحل، ولا تحسن ولا تبهى، ولا تختال ولاتزهى، إلّا واقعة في هذا اللسان، دائرة بين أظهر هذا البيا ن، ومثل ذلك مثل الوشي الفاخر، والحُليّ من سريّ الجواهر، تلبسها الحسناء فتزيدها حسنا إلى حسن، وتعطيها زينا إلى زين، فإن نقلتها إلى الشوهاء تخاذل أمرها وتضادّ، وتناقض وترادّ، وعصف بنصف حسنها وزينها، ماتطلعه الشوهاء من قبحها وشينها، وكفاك بما عددت عليك أدلّة متقبّلة، وشهودا معدلة، على أنّ هذا اللسان هو الفائز بالفصل، الحائز للخصل،[٢] وأنّ ماعداه شبه[٣] إلى العسجد، وشبّ[٤] إلى زبرجد.
ثمّ اسمع بفضلك، فقد آن أن افَذلِك،[٥] وأختم هذا الفصل بما يحلق الحَلاقِم[٦] ويجزّ الغلاصِم،[٧] وهو أنّ اللّه تعالى ادّخر لمحمّد عليه صلاته وسلامه كلّ فضيلة، وزوى عنه كلّ
[١] - الكلمة قلقلة في هذه العبارة.
[٢] - يقال: أصاب خَصله وأحرز خَصله: غلب على الرهان، وقال بعضهم: الخَصلة: الإصابة في الرمي.
[٣] - الشَبْه والشَبَهُ: النحاس الأصفر.
[٤] - الشبُّ: حجر معروف يشبه الزاج، وقد يدبغ به الجلود.
[٥] - يقال: فَذلكَ حسابه: أنهاه وفرغ منه.
[٦] - الحلقوم: الحَلق، وقال الزجّاج: الحلقوم بعد الفم وهو موضع النفس وفيه شعب تتشعّب منه، وهو مجرى الطعام والشراب.
[٧] - الغلصَمة: رأس الحلقوم بشواربه وحرقدته، وهو الموضع الناتئ في الحلق، والجمع: الغلاصم، وقيل: الغلصمة: اللحم الذي بين الرأس والعنق. وقيل: متّصل الحلقوم بالحلق إذا ازدرد الآكل لقمته فزلّت عن الحلقوم، وقيل: هي العجرة التي على ملتقى اللهاة والمري