التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٩ - ١ - التمكين
تامّا، بحيث لو طرحت لاختلّ المعنى واضطرب المقصود من الكلام، وتشوّش على الفهم، وبحيث لو سكت الناطق عنها لكمّله السامع بطبعه السليم.[١]
قال الإمام بدرالدين الزركشي: وهذا الباب يُطلعك على سرٍّ عظيم من أسرار القرآن الكريم، فاشدُد يديك به.[٢]
* ومن أمثلته قوله تعالى: «وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً».[٣]
ولايخفى وجه المناسبة التامّة.
* وقوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ. أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ».[٤]
لمّا كانت الآية الاولى تذكرة وعبرة بما أصاب القرون الاولى، ولاعبرة بأحوال الماضين لولا الاستماع إلى قصصهم، فختمت بما يناسبه «يسمعون». أمّا الآية الثانية فكان الاعتبار فيها بأمر مشهود منظور، فناسبه الختم بالإبصار.
* وقوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ».[٥]
الشيء إذا بلغ في اللطافة غايتها قصرت الأبصار عن دركه. فناسب قولُه: «وَ هُوَ اللَّطِيفُ» قولَه: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ». والعالم بالشيء إذا بلغ كنهه وأحاط به علما كان خبيرا به، فناسب قولُه: «الْخَبِيرُ» قولَه: «وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ»، جمعا محلّى باللام، وهو يفيد العموم الدالّ على إحاطته تعالى.
ومناسبة أشدّ: أنّ قوله: «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» برهانٌ على عدم إمكان إدراكه
[١] - حكي أنّ أعرابيا سمع قارئا يقرأ:« فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم»- ولم يكن قرأ القرآن- فقال: إنّ هذا ليس بكلام اللّه، لأنّ الحكيم لايذكر الغفران عند الزلل، لأنّه إغراء عليه. معترك الأقران، ج ١، ص ٤٠. وصحيح الآية« فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» البقرة ٢٠٩: ٢.
[٢] - البرهان للزركشي، ج ١، ص ٧٩.
[٣] - الأحزاب ٢٥: ٣٣.
[٤] - السجدة ٢٦: ٣٢ و ٢٧.
[٥] - الأنعام ١٠٣: ٦.