التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٠ - وفرة الاستعارة في القرآن
وقال الزمخشري: أي وجعلوا الإيمان مستقرّا ومتوطّنا لتمكّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك.[١]
وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، وقد طوى ذكر المشبّه به، فكانت استعارة بالكناية، وكان ذكر التبوّء ترشيحا. وفضل «التبوّء» على «الاستقرار» هي إفادة كمال السعي في طلب البيئة، فضلًا عن رنّة جرسه في هذا الموضع بالذات.
واحتمل ابن أبيالإصبع كون الآية من الاختصار في الإيجاز، ليكون التقدير: «تبوّأوا الدار وأخلصوا الإيمان» كما قال الشاعر: علفتها تبنا وماءً باردا. أي: وسقيتها ماءً.[٢]
قال ابنالأثير: والخامس: يرد على وجه المَثل المضروب، كقول الفرزدق يهجو جريرا:
|
ماضرّ تغلب وائل أهجوتها |
أم بلت حيث تناطح البحران |
|
فإنّه شبّه هجاء جرير لبني تغلب ببوله في مجمع البحرين، فكما أنّ البول في مجمع البحرين لايؤثّر شيئا، فكذلك هجاؤه لهؤلاء القوم. وهذا البيت من الأبيات التي أقرّ لها الناس بالحسن.
قال: وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان، ويخلطونه بالاستعارة. على ماجاء في قول البحتري في التعزية بولد:
|
تعزّ فإنّ السيف يمضي وإن وهت |
حمائله عنه وخلاه قائمه |
|
زعم أنّ هذا ليس من التشبيه، وأنّما هو استعارة، لأنّ المستعار له مطويّ الذكر، وهو المعزّى، لأنّه قال: تعزّ فإنّك كالسيف الذي يمضي وإن وهت حمائله وخلاه قائمه.[٣]
وقد تقدّم أنّ التمثيل ضربٌ من الاستعارة، وهو من تشبيه مركّب بمركّب مطويّ ذكر المشبّه. نظير قولهم: «أراك تقدّم رجلًا وتؤخّر اخرى» يضرب مثلًا لمن يتردّد في أمر يقدّم فيه أو يمسك، فقد شبّهت حالة ترديده بمن قدّم رجلًا وأخّر اخرى، فهي استعارة، لأنّ
[١] - الكشاف، ج ٤، ص ٥٠٤.
[٢] - بديع القرآن، ص ١٨٢.
[٣] - المثل السائر، ج ٢، ص ١١٦- ١٢١.