التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٢ - ٩ - لطيف كنايته وظريف تعريضه
يتنبّه لها العقل، لابالوضع الحقيقي ولاالمجازي. وإنّما سمّي تعريضا لأنّ المعنى منه يفهم من عُرضه أي من جانبه، وعُرض كلّ شيء جانبه.[١]
*** وللناس في الفرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة:
فقال الزمخشري: الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له. والتعريض أن يذكر شيئا يدلّ به على شيء لم يذكره.
وقال ابن الأثير: الكناية مادلّ على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما. والتعريض: اللفظ الدالّ على معنى لامن جهة الوضع الحقيقي أو المجازي، كقول من يتوقّع صلة: واللّه إنّي لمحتاج، فإنّه تعريض بالطلب، مع أنّه لم يوضع له لاحقيقةً ولامجازا، وإنّما فهم من عُرض اللفظ، أي جانبه.
وقال السبكي في كتاب «الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض»: الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا منه لازم المعنى، فهو بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة، والتجوّز في إرادة إفادة مالم يوضع له، وقد لايراد منها المعنى، بل يعبّر بالملزوم عن اللازم، وهي حينئذٍ مجاز.
ومن أمثلته: «قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا»[٢] فإنّه لم يقصد إفادة ذلك، لأنّه معلوم، بل إفادة لازمه، وهو أنّهم يَردُونها ويجدون حرّها إن لم يجاهدوا.
وأمّا التعريض فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره، نحو: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا»[٣] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتّخذة آلهة، كأنّه غضب أن تعبد الصغار معه، تلويحا لعابديها بأنّها لاتصلح أن تكون آلهة، لما يعلمون- إذا نظروا بعقولهم- من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لايكون عاجزا، فهو حقيقة أبدا.
وقال السكاكي: التعريض ماسيق لأجل موصوف غير مذكور، ومنه أن يخاطب
[١] - المثل السائر، ج ٣، ص ٥٢ و ٥٦.
[٢] - التوبة ٨١: ٩.
[٣] - الأنبياء ٦٣: ٢١.