التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - أعجب آية باهرة
واعلم أنّ الذي فتق أكمام هذه اللطائف حتى تفتّحت أَزرار أزهارها، وتعانقت أغصانها، وتأَنّقت أفنانها، وتناسَبَت محاسنُ آثارها، هو مقدّمة الآية وديباجتها، فإنّه لمّا افتتح الكلام في هذه القصّة البديعة بالاختصار العجيب، بأن طرح حرف النداء من قوله «ربِّ» وياء النفس من المضاف، أشعر أوّلها بالغرض، فلأجل تأسيس الكلام على الاختصار عقّبه بالاختصار والإجمال، واكتفى بذكر هاتين الجملتين عمّا وراءهما من تلك المراتب العشر التي نبّهنا عليها والحمدُ للّه.[١]
أعجب آية باهرة
قوله تعالى: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».[٢]
قد مرّت عليك قصّة النفر من فصحاء قريش أزمعوا ليعارضوا القرآن، فعكفوا على لطيف الغذاء من لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة، حتى بلغوا مجهودهم، فإذا فوجئوا بنزول هذه الآية، فطووا ما أزمعوا ويئسوا ممّا طمعوا فيه، وعلموا أنّه لايشبه كلام مخلوق.[٣]
الأمر الذي دعا بعلماء الأدب والبيان أن يجعلوا هذه الآية بالذات موضع دراستهم والبحث عن مزاياها الخارقة، فخاضوا عبابها واستخرجوا لبابها في عرض عريض.
وممّن أجاد فيهذا الباب هو الإمام أبويعقوب السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم».
فبعد أن تكلّم عن شأن البلاغة وعجيب أمره، وأنّه ممّا يدرك ولايوصف- كاستقامة الوزن تدرك ولايمكن وصفها، والملاحة يبهر حسن منظرها ولايستطاع نعتها ... وأضاف أنّ مدرك «الإعجاز» هو الذوق ليس إلّا، وطول خدمة علمي المعاني والبيان ...- ذكر شاهدا على ذلك متمثّلًا بالآية الكريمة، ومعرّجا على تعداد مزاياها ومفارقاتها عن سائر الكلام، قال:
[١] - الطراز للأمير العلوي، ج ٣، ص ٤١٦- ٤٢٠.
[٢] - هود ٤٤: ١١.
[٣] - العمدة لابن رشيق، ج ١، ص ٢١١؛ وراجع: الجزء الرابع من التمهيد،« شهادات وإفادات».