التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٥ - أنواع الحذف
منه حرف.[١]
وهكذا نون «لَمْ يَكُ ...»[٢] وواو «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ...».[٣] وياء «الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ...»[٤] وأمثال ذلك.
الثاني: مايسمّى بالاكتفاء، وهو أن يقتضيالمقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، وإن كان هو تناسب الضدّ مثلًا، فيكتفي بذكر أحدهما ويترك الآخر، لمعلوميّته أولًا، ولنكتة ثانيا، كما في قوله تعالى: «سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ»[٥] أي والبرد. وخصّص ذكر الحرّ، لأنّ الخطاب مع عرب البادية، وهي صحراء قاحلة أكثر أحوالها حارّة تهبّ فيها أرياح سامّة، فهم بما يقيهم من سموم الحرّ أحوج منهم لبرد القرّ.
ومن هذا الباب أيضا قوله: «بِيَدِكَ الْخَيْرُ»[٦] أي والشرّ، وإنّما ترك لعدم مناسبته في ظاهر النسبة إلى المولى الكريم. ولأنّ الخير هو مطلوب العباد ومرغوبهم لديه تعالى.
وقيل: لأنّ الخير هو الأكثر وجودا في العالم.
وقوله: «فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى»[٧] فترك هارون، لأنّ الخطاب كان مع موسى عليه السلام.
الثالث: ما يسمّى بالاحتباك. وهو من ألطف أنواعه وأبدعها. وقلّ من تنبّه له، أو نبّه عليه من أهل البلاغة. قال البقاعي: وهو نوع عزيز، هو: أن يُحذف من أول الكلام مااثبت نظيره في مؤخّره، أو من آخر الكلام ما اثبت نظيره في أوله. ومنه في القرآن ألطفه.
مثاله من محذوف الأول قوله تعالى: «وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ».[٨] أي ومثل الذين يدعون إلى الحقّ مع الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالبهائم.
قال الزمخشري: لابدّ من مضاف محذوف، تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق .. والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنّهم لايسمعون من الدعاء إلّا جرس
[١] - معترك الأقران، ج ١، ص ٣٠٧.
[٢] - الأنفال ٥٣: ٨.
[٣] - العلق ١٨: ٩٦.
[٤] - الرعد ٩: ١٣.
[٥] - النحل ٨١: ١٦.
[٦] - آل عمران ٢٦: ٣.
[٧] - طه ٤٩: ٢٠.
[٨] - البقرة ١٧١: ٢.