التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - أعجب آية باهرة
وإذ قد وقفت على البلاغة وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية، فأنا أذكر- على سبيل الانموذج- آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين، ماعسى يسترها عنك. ثمّ إن ساعدك الذوق أدركت منها ماقد أدرك من تحدّوا بها، وهي قوله- علت كلمته-: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».
قال: والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني- وهما مرجعا البلاغة- ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية:
١- أمّا النظر فيها من جهة (علم البيان) وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول:
إنّه- عزّ سلطانه- لمّا أراد أن يبيّن معنى «أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتدّ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح- وهو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه- فقضي، وأن نسوّي السفينة على الجوديّ فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى» بنى الكلام على تشبيه المراد بالمأمور الذي لايتأتّى منه- لكمال هيبته- العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود، تصويرا لاقتداره العظيم، وأنّ السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته، إيجادا وإعداما، ولمشيئته فيها تغييرا وتبديلًا، كأنّهما عقلاء مميّزون قد عرفوه حقّ معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه، وتحتّم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده، وتصوّروا مزيد اقتداره، فعظمت مهابته في نفوسهم، وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم. فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدّما، وكما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمّما، لاتلقى لإشارته بغير الإمضاء والانقياد، ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال.
ثمّ بنى على تشبيه هذا نظم الكلام، فقال- جلّ وعلا-: «قيل» على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجعَلَ قرينة المجاز الخطاب للجماد، وهو «ياأرض» و «ياسماء»، ثمّ قال- كماترى-: «ياأرض ... ويا سماء» مخاطبا لهما على سبيل