التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - البحث الثاني بالاضافة إلى موقعها من علم المعاني
وإنّما عرّف «القوم» باللام إشارة إلى أنّهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم.
وإنّما أتى بلام الجرّ ولم يقل: فبُعدا من القوم، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون «منْ» فإنّها غير مؤدّية لهذا المعنى.
وإنّما أطلق صفة الظلم، ولم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظُلمهم من جميع الوجوه، وفيه تنبيهٌ على فظاعة شأنهم وسوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم من تكذيب الرسل، وفيه شرحٌ لصدر الرسول بالانتصار له على من كذّبه، والتأسّي بالصبر، ووعيدٌ لمن كذّبه بالنصَفَة والانتقام منه.
النظر الثاني
في تأليف الجمل وذكر بعضها عقيب بعض. تقديم بعض الجمل على بعض ليس خاليا عن فائدة وسرٍّ، وإنّما قدّم النداء على الأمر فقال: «يا أَرْضُ ابْلَعِي ... وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي» ولم يقل عكس ذلك: ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء، لأمرين، أمّا أوّلًا فلما في ذلك من الملاطفة والمبالغة في تحصيل المراد، لأنّ كلّ من ناديته فإنّ نفسه تنزع وله تَوقانٌ إلى الإجابة وتطلُّعٌ إلى ما يراد من الدعاء من أمر أو نهي، فلا تزال النفس تنزعُ لتعلم ما هو المطلوب، فمن أجل ذلك قدّم الدعاء على الأمر لما فيه من الشوق والتوقان للنفوس. وأمّا ثانيا فجريا على ما الفَ من الإيقاظ والتنبيه، لأنّ كلّ من طالب أمرا من الامور من غيره فلابدّ من إيقاظه وتنبيهه عليه، ليكون مستعدّا للامتثال له، فلأجل ذلك قدّم النداء على الأمر على جهة الإيقاظ والتنبيه ممّا يطلب من المأمورات.
ثمّ إنّه قدّم نداء الأرض على نداء السماء لما ذكرناه من العناية بأمر الأَرض من تلك الأوجه الخمسة، وقد ذكرناها فأغنى عن تكريرها، ولكونها صارت أصلًا لما يردُ من هذه الأُمور الهائلة من الإغراق والاستواء للسفينة، وإخراج من كان فيها إلى الأرض.
ثمّ إنّه عزَّ سلطانه أردفها بقوله: «وَ غِيضَ الْماءُ» لاتّصاله بقصّة الأرض، وأخذه بحُجزَتها، فلأجل ذلك أتبعه بها، لما في ذلك من حسن الانتظام، ورونق الرصف، ألاترى