التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - نماذج من فوارق اللغة
قال: ولم ذاك؟ قلت: لأنّي سمعت اللّه يقول: «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».[١] وأنا رجل شحيح لايكاد يخرج من يدي شيء! قال: ليس ذاك الشحّ الذي ذكره اللّه في القرآن، ولكن الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذاك البخل، وبئس الشيء البخل.
وأمّا «النعت والصفة» فإنّ الصفة أعمّ والنعت أخصّ، وذلك أنّك تقول: زيد عاقل وحليم، وعمرو جاهل وسفيه، وكذلك تقول: زيد أسود ودميم، وعمرو أبيض وجميل، فيكون ذلك صفةً ونعتا لهما، وأمّا النعت فلا يكاد يطلق إلّا فيما لايزول ولا يتبدّل، كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوهما من الامور اللازمة.
وأمّا قول القائل لصاحبه: اقعد واجلس، فقد حكي لنا عن النضر بنشميّل أنّه دخل على المأمون عند مقدمه مرو، فمثّل بين يديه وسلّم، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أميرالمؤمنين ما أنا بمضطجع فأجلس، قال: فكيف تقول؟ قال: قل: اقعد، فأمر له بجائزة.
قلت: وبيان ما قاله النضر بنشميّل إنّما يصحّ إذا اعتبرت إحدى الصفتين بالاخرى عند المقابلة، فتقول: القيام والقعود، كما تقول: الحركة والسكون، ولانسمعهم يقولون:
القيام والجلوس، وإنّما يقال: قعد الرجل عن قيام، وجلس عن ضجعة واستلقاء ونحو ذلك.
وأمّا قولك: «بلى ونعم» فإنّ بلى جواب عن الاستفهام بحرف النفي كقول القائل: ألم تفعل كذا؟ فيقول صاحبه: بلى، كقوله عزّوجلّ: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى»[٢] وأمّا نعم فهو جواب عن الاستفهام نحو هل، كقوله سبحانه: «هل وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ».[٣]
وقال الفرّاء: «بلى» لا يكون إلّا جوابا عن مسألة يدخلها طرف من الجحد. وحكي عنه أنّه قال: لو قالت الذرّية- عند ما قيل لهم: ألست بربّكم-: نعم، بدل قولهم: بلى، لكفروا كلّهم.
وأمّا قولك: «ذاك وذلك» فإنّ الإشارة بذلك إنّما تقع إلى الشيء القريب منك، وذاك
[١] - الحشر ٩: ٥٩.
[٢] - الأعراف ١٧٢: ٧.
[٣] - الأعراف ٤٤: ٧.