التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - ألوان من التخييل الحسي
ومثلها: «قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا».[١] فكلمات «نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا» تخيّل حركة حسّية للارتداد في موضع الارتداد المعنوي، وتمنح الصورة حياةً محسوسة.
ومن هذا القبيل: «وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ»[٢] في موضع: لا تطيعوا الشيطان. فإنّ كلمتي: «تَتَّبِعُوا» و «خُطُواتِ» تخيّلان حركة خاصّة هي حركة الشيطان يخطو والناس وراءه يتّبعون خطواته. وهي صورة حين تجسّم هكذا تبدو عجيبة من الآدميّين، وبينهم وبين الشيطان الذي يسيرون وراءه، ما أخرج أباهم من الجنّة!
وكذلك: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ» باختلاف يسير، هو أنّ الشيطان في هذه المرّة هو الذي تبع هذا الضالّ ولازمه ليغويه: «فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ».[٣]
ومن هذا الوادي: «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»[٤] فحركة الاقتفاء تتهيّأ للذهن، ويتمثّلها الخيال بالجسم والإقدام، لا بمجرّد الذهن والجنان.
**** ولون من ألوان «التخييل» يتمثّل في تلك الحركات السريعة المتتابعة التي عرضنا منها مثالًا في الفصل السابق، صورة الذي يُشرك باللّه «فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ».[٥]
وشبيهة بها في سرعتها وتعدّد مناظرها تلك الحركة المتخيّلة في قوله: «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ».[٦]
[١] - الانعام ٧١: ٦.
[٢] - البقرة ١٦٨: ٢.
[٣] - الأعراف ١٧٥: ٧.
[٤] - الإسراء ٣٦: ١٧.
[٥] - الحج ٣١: ٢٢.
[٦] - الحج ١٥: ٢٢.