التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - التتميم
التتميم
وهو من ظرف البديع وكماله وبلاغه. قال ابن رشيق: هو أن يحاول الشاعر أو المتكلّم معنىً، فلا يدع شيئا يتمّ به حسنه إلّا أورده وأتى به، إمّا مبالغةً وإمّا احتياطا واحتراسا من التقصير.[١] وفسّره بعضهم بأن يكون المتكلّم آخذا في معنى، فيعترضه شكّ في إيفاء كلامه، أو احتمال رادّ سوف يردّ عليه، أو إثارة سؤال يحاول الإجابة عليه فرضا وتقديرا في الكلام. فيلتفت قبل فراغه من التعبير عن ذلك المعنى، فيبادر إلى إزالة كلّ شبهة محتملة، وحلّ كلّ مشكلة معترضة، والإجابة على أيّ سؤال سوف يثيره الكلام[٢] ليكون كلامه وافيا شافيا ومؤدّيا تمام الغرض وكمال المراد. وهذا من ظرف البديع وكمال البلاغة في الكلام.
وقد جاء في القرآن على أحسنه وأفضله، منها قوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا».[٣] فإنّ السري لايكون إلّا بالليل، فذكره يغني عن قوله: «لَيْلًا» لولا إرادة تتميم الفائدة للدلالة على تقليل المدّة، بمعنى أنّ السري وقع في بعض الليل، يدلّ عليه التنكير.
قال الزمخشري: فإن قلت: الإسراء لايكون إلّا بالليل فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله: «لَيْلًا» بلفظ التنكير، تقليل مدّة الإسراء، وإنّه أسرى به في بعض الليل من مكّة إلى الشام- مسيرة أربعين ليلة- وذلك أن التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية.[٤]
وقوله تعالى: «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً».[٥] فقوله: «وَ هُوَ مُؤْمِنٌ» تتميم في غاية الحسن، وأفاد الشرط الأول في قبول الطاعات، فلو حذفت هذه الجملة لاختلّ المعنى.
وقوله تعالى: «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً».[٦] والشاهد في قوله: «عَلى حُبِّهِ» إن عاد الضمير على الطعام، فيزيد تأكيدا لمعنى الإيثار المقصود من الكلام. أي مع حاجتهم إليه آثروا غيرهم على أنفسهم. فهو تتميم أفاد المبالغة المقبولة، فلو
[١] - العمدة، ج ٢، ص ٥٠.
[٢] - وهذا بمعنى الاستدراك أشبه.
[٣] - الإسراء ١: ١٧.
[٤] - الكشاف، ج ٢، ص ٦٤٦.
[٥] - طه ١١٢: ٢٠.
[٦] - الإنسان ٨: ٧٦.