التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٦ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
آيات تدانيها، هيهات قبل ذلك يشيب الغراب، ويسيب الماء كالسراب.
ودع عنك حديث الصرفة،[١] فما الصرفة إلّا صُفرَة[٢] من النظّام، وفَهّة[٣] منه في الإسلام، ولقد ردّت على النظّام صُفرته، كما ردّت عليه طفرته، ولو صحّ ماقاله لوجَبَ في حكمة اللّه البالغة، وحجّته الدامغة أن ينزّله على أركّ نمط وأنزله، وأفسل[٤] اسلوب وأسفله، وأعراه من حلل البلاغة وحليّها، وأخلاه من بهيّ جواهر العقول وثريّها، ثمّ يقال لولاة أعلى الكلام طبقةً وأمتنه، ولأرباب آنقه طريقةً وأحسنه، هاتوا بما ينحو نحوه، وهلمّوا بما يحذو حذوه، فيعترضهم الحجز، ويتبيّن فيهم العجز، فيقال قد استصرفهم اللّه عن أهون ما كانوا فيه ماهرين، وأيسر ماكانوا عليه قادرين، ألم ترهم كيف كانوا يعنقون[٥] في المِضمار فوقفوا، وينهبون الحلبة بخطاهم فقطفوا،[٦] ولا يقال اللّه قادر على أن يأتي بما هو أفصح وأفصح، وأملح لفظا ومعنىً وأملح، فهلّا أتى بذلك المتناهي في الفصاحة، والمتمادي في الملاحة، فإنّ الغرض اتّضاح الحُجّة وقد اتّضحت، وافتضاح الشُبهة وقد افتضحت، وإذا حصل الغرض، فليس وراءه معترض.
وأمّا إغفال السلف لِما نحن بصدده، وإهمالهم الدلالة على سننه، والمشي على جدده،[٧] فلأنّ القوم كانوا أبناء الآخرة، وإن نشأوا في حِجْر هذه الغادرة، ديدنهم قصر الآمال، وأخذ العلوم لتصحيح الأعمال، وكانوا يتوخَّون الأهمّ فالأهمّ، والأولى فالأولى، والأزلف فالأزلف من مرضاة المولى، ولأنّهم كانوا مشاغيل بجرّ أعباء الجهاد، مُعنّين[٨]
[١] - الصرفة: هي ممّا ذهب إليه النظّام المعتزلي في إعجاز القرآن، وهو صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا؛ حتى لو خلّاهم سبحانه لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغةً وفصاحةً ونظما. انظر: الملل والنحل ج ١، ص ٥٧.
[٢] - يقال: إنّه لفي صُفرَة، للَّذي يعتريه الجنون، إذا كان في أيّام يزول فيها عقله، لأنّهم كانوا يمسحونه بالزعفران.
[٣] - الفَهّة: السقطة والجهلة. يقال: فه الرجل يَفَهُّ فَهاهة وفهة، فهوفةٌ وفهيةٌ: إذا جاءت منه سقطة من العيّ وغيره.
[٤] - الفسل: الرديمن كلّ شيء.
[٥] - يعنقون: أي يسرعون.
[٦] - القِطاف: تقارب الخطو في سرعة، من القطف: وهو القطع.
[٧] - الجَددُ: الأَرض الصلبة، وفي المثل:« من سلك الجدد أمِنَ العِثار».
[٨] - مُعَنّين: أي متعبين.